لم يكن تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 11 نوفمبر 2025 حدثًا عابرًا في التصريحات الروتينية حول السودان. فقد ألقى الوزير الأميركي، في مقابلة نقلتها صحيفة Washington Post بتاريخ 11 نوفمبر، بيانًا غير مسبوق حين قال إن «إحدى دول الرباعية» تواصل تقديم الدعم المالي والعسكري لقوات الدعم السريع، في إشارة وصفتها الصحافة الأميركية والبريطانية بأنها «أوضح تلميح أميركي مباشر إلى الإمارات».

ووفق ما نشرته صحيفة The Guardian في اليوم نفسه، فإن مسؤولين أميركيين استخدموا التعبير ذاته في جلسات مغلقة، مؤكدين أن هذه الدولة «تلعب دورًا مركزيًا في استمرار قدرات الدعم السريع على القتال». كان ذلك أحد التصريحات العلنية من مستوى رفيع يصدر من واشنطن بهذا الشكل.

هذا التصريح لم يكن مجرد إشارة دبلوماسية؛ بل كان نقطة تحول. فقد ظهر وكأنه إعلان أميركي بأن «مرحلة الصمت» انتهت، وأن واشنطن أصبحت ترى الإمارات كجزء من معادلة الحرب، لا كجزء من جهود وقفها.

وبعد ساعات فقط من انتشار التصريح في الصحافة الأميركية، بدأت ردود الفعل العربية تتباين بشكل واضح، وخاصة بين السعودية والإمارات، وهما الدولتان الأكثر تشابكًا في ملف السودان خلال السنوات الأخيرة.

في الرابع عشر من نوفمبر، أي بعد ثلاثة أيام من تصريح روبيو، أجري اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الأميركي ووزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد. كان الاتصال خطوة مهمة للإمارات لتلميع صورتها مجددا ومحاولة إعادة منزلتها كوسيط سلام في الرباعية، ولتخفيف حدّة التصريح السابق كما حاولت الرواية الإماراتية أن تقول، لكن وبعيدا عن الإعلام الإماراتي،  فقد جاء الاتصال في سياق ضغوط أميركية مباشرة على أبوظبي «للمساعدة في تنفيذ وقف إنساني لإطلاق النار» و«وقف تدفق السلاح والدعم الخارجي إلى قوات الدعم السريع». هذا الاتصال، وفق ما ذكرت Associated Press في اليوم التالي، «لم يلغِ تصريح الوزير الأميركي السابق، بل كان امتدادًا له».

غير أن التغطية الإعلامية للاتصال كشفت ما هو أعمق من مسألة دبلوماسية عابرة.

ففي حين تعاملت الرياض مع التصريح الأميركي على أنه فرصة لإبراز موقفها، جاءت تغطية أبوظبي للحدث محاولة صريحة لـ«القفز فوق التصريح الأميركي» وإخفاء تأثيره.

قناة «العربية» السعودية —  نشرت تقريرها في 15 نوفمبر بعنوان: «روبيو يطالب الإمارات بدعم وقف إطلاق النار في السودان».

العنوان وحده كان رسالة. لم تُخفِ العربية ضغط واشنطن على أبوظبي، ولم تتردد في التذكير بأن تصريح روبيو السابق اتهم ضمناً الإمارات بدعم قوات الدعم السريع.

وقدمت القناة الاتصال بوصفه «استمرارًا للموقف الأميركي المتشدد تجاه أحد أطراف الرباعية». وبذلك، تبنّت الرياض رواية واضحة: «نحن لسنا الطرف المقصود… الإمارات هي التي تواجه ضغط واشنطن».

على الجانب الآخر، نشرت وكالة أنباء الإمارات «وام» الخبر نفسه بصيغة شديدة الاختلاف. جاء عنوان الخبر الإماراتي: «عبدالله بن زايد يبحث مع وزير الخارجية الأميركي الجهود المشتركة لوقف النار».

لا ذكر لتصريح روبيو في 11 نوفمبر. لا ذكر للاتهامات الدولية بدعم الدعم السريع. لا ذكر للضغوط الأميركية. لا ذكر للمطالبات بوقف تدفق السلاح. بدت الرواية الإماراتية كما لو أن الاتصال «حوار عادي بين شريكين»، وكأن الوزير الأميركي لم يقل قبل 72 ساعة فقط إن الإمارات تدعم إحدى أكثر الميليشيات وحشية في أفريقيا.

وهكذا ظهر الفارق بين التغطيتين: السعودية أبرزت التصريح الأميركي واعتبرته جزءًا من موقف دولي يتشكّل ضد أبوظبي، والإمارات حاولت تجاهله، بل والظهور وكأن الاتصال الأميركي «يلغي» أو «يحتوي» التصريح السابق.

لكن الحقيقة، كما نشرتها Reuters وWashington Post، أن الاتصال لم يكن سوى تكملة للمسار الأميركي نفسه: ضغط على الإمارات لوقف دعمها لقوات الدعم السريع.

هذا التباين الإعلامي يكشف شيئًا جوهريًا: السودان لم يعد مجرد ساحة حرب أهلية؛ بل أصبح مسرحًا لصراع إقليمي بين الرياض وأبوظبي، صراعٌ لم يعد بالإمكان إخفاؤه.

السعودية، التي تقود مسار جدة منذ 2023، تسعى لتقديم نفسها كقوة إقليمية مسؤولة تسعى لوقف الحرب، ولا تريد أن تُحمَّل مسؤولية انهيار السودان أو جرائم الدعم السريع. ولذلك استخدمت «العربية» التصريح الأميركي لتوجيه رسالة ضمنية: «انظروا… واشنطن تعرف من يموّل الحرب، ونحن لسنا ذلك الطرف».

أما الإمارات، التي وجدت نفسها في مرمى الاتهامات الدولية منذ تقارير خبراء الأمم المتحدة لعام 2023 التي ذكرت دورًا لوجستيًا وتمويليًا لها في دعم قوات الدعم السريع، فقد شعرت بإحراج كبير بعد تصريح روبيو.

ولذلك، كان تعاملها الإعلامي مع الاتصال الهاتفي محاولة للهروب من السياق، وإعادة تقديم العلاقة مع واشنطن كأنها تسير بشكل طبيعي، دون أي ضغط أو توتر.

ومن زاوية أوسع، يعكس هذا التناقض الإعلامي تغيّرًا حقيقيًا في موازين القوى داخل الخليج. فالسعودية التي كانت قبل سنوات شريكًا متوازيًا للإمارات في الملفات الإقليمية، أصبحت اليوم أكثر استقلالية وميلاً لإبراز اختلافاتها مع أبوظبي.

ويظهر ذلك في ملفات اليمن، وشرق أفريقيا، والآن السودان. أما الإمارات، التي اعتمدت طوال سنوات على خطاب “الفاعلية والريادة والقيادة العربية” تجد نفسها مضطرة للدفاع عن سياساتها أمام واشنطن، بينما تراقب الرياض المشهد من موقع مريح.

وفي ظل ذلك كله، يبقى السودان هو الضحية الأعمق لهذا الصراع. فبين الاتهام والإنكار، وبين الضغط الأميركي والمناورات الخليجية، تستمر الحرب التي قتلت عشرات الآلاف وهجّرت الملايين، بينما تُعلن واشنطن أنها لن تتسامح مع أي جهة تغذي الصراع، وتلمّح بأصابعها نحو أبوظبي، فيما تحاول هذه الأخيرة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صورتها الدولية عبر بيانات إعلامية ناعمة لا تغيّر شيئًا من الواقع.

في المحصلة، لم يكن تصريح روبيو مجرد حادثة عابرة، ولا كان الاتصال الهاتفي «تصويبًا» للموقف الأميركي كما حاولت أبوظبي الإيحاء. كان لحظة كاشفة… لحظة بدا فيها صوت واشنطن أقرب إلى الرياض منه إلى أبوظبي التي لم يبق أمامها سوى التحدث إلى نفسها ودفن رأسها في الرمال.

ولحظة أصبح فيها الخلاف السعودي–الإماراتي علنيًا إلى حد لا يمكن تجميله أو صوغه تحت عنوان “تباين وجهات نظر”. لقد كشف السودان عن التوازنات الجديدة في الخليج، وعن حقيقة أن ما يجري خلف الكواليس بدأ يظهر — بلا تجميل — في عناوين الأخبار.