في أمسية استثنائية جمعت بين الأدب والسياسة وتجربة الأسر، احتشد عشرات القرّاء والمتضامنين مساء الجمعة في مكتبة تنمية بالمعادي في القاهرة، لحضور أول لقاء مباشر مع الروائي والأسير الفلسطيني المحرر باسم خندقجي بعد نيله الحرية، في حدث حمل رمزية خاصة كونه أول ظهور علني له منذ خروجه من سجون الاحتلال. 

هذا اللقاء لم يكن مجرد حفل توقيع لروايته الشهيرة قناع بلون السماء، بل شكل أيضًا اختبارًا لحدود القيود التي تفرضها السلطات المصرية على الأسرى المحرَّرين حتى بعد تحررهم، سواء في تنقلاتهم أو ظهورهم العام أو مشاركاتهم الثقافية.

ظهور استثنائي يعكس صراعًا مستمرًا مع قيود الاحتلال

حرص المئات على حضور اللقاء، في مشهد أكد أن حضور خندقجي خارج فلسطين ما يزال أمرًا غير اعتيادي، ولذا بدا اللقاء بالنسبة لكثيرين اختراقًا لهذه المنظومة، ورسالة بأن حرية الأسير لا تُحدَّد.

كان واضحًا أن الحضور تفاعل مع هذا البعد السياسي للقاء، لا سيما أن خندقجي نفسه أشار أكثر من مرة إلى أن الاحتلال “لا يزال حاضرًا في تفاصيل حياته”، وأن التحرر الجسدي لا يلغي آثار السجن أو محاولات المنع من ممارسة دوره الثقافي والفكري.

كتابة وُلدت من قلب الزنازين: “لو كنت أعلم أن كتابتي توجعهم لكتبت منذ زمن”

عندما اعتلى خندقجي المنصة، بدأ حديثه بعبارات لاقت تصفيقًا طويلًا:

“انتصرتُ بكتابتي على السجّان. حُبست انفراديًا وتعرضت للتعذيب عقابًا على فوز الرواية بالجائزة. أحد الضباط نزع نظارتي وحطمها وقال لي: أنت مش لازم تشوف أي شيء. ولو كنت أعلم أن كتابتي توجعهم إلى هذا الحد، لكتبت منذ زمن طويل”.

هذا التصريح كاشفٌ لطبيعة الصراع بين السلطة الاستعمارية وصوت الأسير. فالكتابة بالنسبة لخندقجي ليست مجرد فن، بل هي فعل مقاومة يوازي الاشتباك المباشر. وهو ما يفسر حدة العقاب الذي تلقاه داخل السجن، بعد وصول روايته قناع بلون السماء إلى القائمة القصيرة ثم فوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2024.

أدب الاشتباك.. من سردية المقاومة إلى تفكيك البنية الاستعمارية

خلال اللقاء، قدّم خندقجي شرحًا واسعًا للفارق بين أدب المقاومة الذي أسسه غسان كنفاني، وأدب الاشتباك الذي يرى أنه يمثل طورًا جديدًا من الكتابة الفلسطينية.

وأوضح أن أدب الاشتباك يتشكل داخل البنية الاستعمارية نفسها، ويهدف إلى تفكيك أدواتها ورواياتها، وإعادة صياغة العلاقة بين السيد والعبد وفق قراءة هيغلية معاصرة، تكشف الأساطير المؤسسة للصهيونية وآليات صناعة الحكاية الإسرائيلية على حساب الحقيقة الفلسطينية.

وشدد على ضرورة أنسنة العدو كوسيلة لنزع هالته الأسطورية التي يروّج لها الاحتلال، دون أن يعني ذلك تبرير التطبيع أو تبنّي خطاب المستعمِر. وقال:

“أنسنة العدو لا تعني التماهي معه. هي محاولة لإعادته إلى حجمه الطبيعي كي نستطيع هزيمته سرديًا ووجوديًا”.

نقاشات نقدية: الكتابة كفعل تحرر من داخل الأسر

شاركت د. شيرين أبو النجا – أستاذة الأدب الإنجليزي – إلى جانب الصحفي محمود بركة في مناقشة الرواية، حيث قدما قراءة نقدية واسعة في بنية النص ودلالاته، وفتحا بابًا للحوار حول علاقة الكتابة بالمعاناة الإنسانية والمعركة السياسية.

تركز النقاش على سؤال محوري: كيف تحول السجن إلى فضاء إنتاج لا قيد؟

وأجمع المتحدثون على أن تجربة خندقجي الذاتية شحذت أدواته، وجعلت نصه يتحرك بين السياسي والإنساني بامتياز نادر، ما منح الرواية خصوصيتها كعمل وُلد من الألم لكنه تجاوز حدوده.

خندقجي.. سيرة مقاومة تمتد من نابلس إلى البوكر

ولد باسم خندقجي في نابلس عام 1983، واعتقلته سلطات الاحتلال عام 2004 وهو في الحادية والعشرين من عمره. حُكم عليه بثلاثة مؤبدات، لكنه واصل تعليمه داخل السجون وحصل على درجة في العلوم السياسية من جامعة القدس، وكتب خلال فترة اعتقاله أعمالًا أصبحت جزءًا من أدب السجون الفلسطيني، منها:

  • طقوس المرة الأولى

  • نرجس العزلة

  • خسوف بدر الدين

أما روايته الأشهر قناع بلون السماء، والصادرة عن دار الآداب، فحصدت جائزة البوكر العربية عام 2024، رغم محاولات الاحتلال تعطيل وصول مخطوطاتها وعرقلة انتشارها.

تحرر خندقجي ضمن صفقة تبادل للأسرى أجرتها المقاومة مع الاحتلال، ليظهر اليوم أمام جمهوره لأول مرة، في لحظة وصفها كثيرون بأنها “تحرير ثانٍ”، إذ تزيح عن الكاتب جزءًا من الظلام الذي رافق 22 عامًا من السجن المنعزل والعزل الانفرادي.

رمزية لقاء القاهرة: الثقافة تكسر القيود

اللقاء في القاهرة بدا أكبر من مجرد فعالية ثقافية؛ كان إعلانًا ضمنيًا بأن الأسرى المحررين قادرون على تجاوز القيود التي تفرضها السلطات المصرية وكذلك الاحتلال، وأن العالم العربي ما يزال يقدم مساحة بديلة لاحتضان أصواتهم.

ورغم أن المؤسسة الإسرائيلية تستمر في ملاحقة حضورهم ورقابتهم، فإن وجود خندقجي أمام جمهوره خارج فلسطين حمل رسالة واضحة:

الكاتب الذي قاوم داخل السجن لن يخرج منه إلا أكثر قدرة على الاشتباك، وأكثر إصرارًا على فضح البنية الاستعمارية التي حاولت عزله وإسكاته.

اقرأ أيضًا : بن سلمان يعود إلى واشنطن ساعيًا للتطبيع وضمانات أمنية