ليس السودان وحده من مزقته الحرب، بل الإمارات أيضًا، التي وجدت نفسها فجأة في قلب أزمة سياسية وأخلاقية غير مسبوقة، بعدما تكشفت أدوارها الخفية في حرب الفاشر واتسع نطاق الغضب الدولي تجاهها بصورة لم تعد أبو ظبي قادرة على احتوائها بالبيانات الدبلوماسية أو حملات العلاقات العامة. فالحرب التي دمّرت السودان منذ أبريل 2023، والتي بدأت كصراع على السلطة بين قائد قوات الدعم السريع وقائد الجيش، تحولت إلى مأساة إنسانية امتدت لعامين، أودت بحياة مئات الآلاف وشرّدت أكثر من 12 مليون شخص، ودفعت المنطقة بأكملها إلى دوامة من الفوضى، بينما كانت الإمارات تمارس دورًا موازيًا من خلف الستار، تمد فيه الميليشيا بالأسلحة والطائرات والمال، وتستخدم نفوذها في البحر الأحمر والذهب والزراعة لتعزيز حضورها، قبل أن ترتد كل هذه الحسابات عليها وتكشفها في وضع شديد الهشاشة أمام المجتمع الدولي.

القصة التي انفجرت في نهاية أكتوبر مع سقوط مدينة الفاشر لم تكن مجرد خبر جديد عن مدينة سقطت بيد قوات الدعم السريع بعد حصار لأكثر من عام، بل كانت الشرارة التي فجّرت غضبًا حقوقيًا وسياسيًا وإعلاميًا واسعًا ضد الإمارات، بعد أن ارتكبت الميليشيا المدعومة إماراتيًا مجازر مروّعة في المدينة، شملت ذبح عائلات كاملة، وقتل أطباء داخل المستشفيات، واختطاف نازحين كانوا يحاولون الفرار، واغتصاب نساء على الطرقات. عشرات الآلاف فرّوا، لكن عددًا قليلًا فقط وصل إلى تِوِيلة، بينما تُرك أكثر من 260 ألف شخص داخل المدينة تحت رحمة عناصر الدعم السريع، في ظل انقطاع كامل للكهرباء والاتصالات وآلاف المفقودين الذين لا يعرف أحد مصيرهم. وتقول الأمم المتحدة إن ما جرى في الفاشر ليس “فوضى حرب”، بل اعتداء منهجي على الحياة والكرامة، حيث وصف ممثل المفوضية السامية لحقوق الإنسان المشهد بأنه عملية تصفية جماعية لا يمكن تفسيرها إلا كجريمة واسعة النطاق.

ومع اتضاح حجم الكارثة، بدأت أصابع الاتهام تتجه مباشرة نحو الإمارات، لأن الميليشيا التي ارتكبت هذه الفظائع لم تكن لتتمكن من شن الهجوم لولا الإمدادات الخارجية التي وصلت إليها، والتي كشف تقرير واشنطن بوست أنها شملت ذخائر وطائرات مسيّرة ومعدات عسكرية ودعمًا لوجستيًا نقلته الإمارات عبر رحلات جوية وبرية منتظمة. فقد تتبّع مرصد الصراع السوداني، وهو وحدة تتلقى دعمًا من وزارة الخارجية الأميركية، أكثر من اثنين وثلاثين رحلة جوية بين يونيو 2023 ومايو 2024 اعتُبر “بشبه يقين” أنها عمليات نقل أسلحة إلى قوات الدعم السريع. كما سمح مسؤولون سودانيون للصحيفة بفحص طائرة مسيرة استولت عليها قوات الجيش، وكانت محملة بذخائر داخل صناديق تحمل ملصقات تشير إلى أن الذخائر صُنعت في صربيا وأُرسلت إلى القيادة المشتركة للوجستيات في القوات المسلحة الإماراتية قبل أن تنتهي في يد مقاتلي الدعم السريع. هذه الأدلة، إلى جانب شهادات المدنيين والمقاتلين ومسارات الشحن، جعلت من الصعب على الإمارات مواصلة الإنكار، رغم أنها أصدرت بيانًا في 5 نوفمبر تدين فيه ما سمته “الفظائع ضد المدنيين”، بينما تتجنب الاعتراف بأي دور في تسليح الميليشيا.

لكن العالم لم يعد يقبل بيانات من هذا النوع. فالجماعات الحقوقية خرجت بأقوى المواقف، إذ صرّحت ليتيسيا بادر، مديرة القرن الإفريقي في هيومن رايتس ووتش، أن “الإمارات لم تتعرض حتى الآن لأي تكلفة سياسية على الإطلاق”، وأن الوقت قد حان لفضح دورها علنًا ومحاسبتها على دعمها للمقاتلين. وأضافت أن ما يجري في السودان يجري بعلم المجتمع الدولي وأن استمرار الصمت يشجّع الميليشيا والداعمين الإقليميين على ارتكاب المزيد من الفظائع. كما دعت المنظمة مجلس الأمن لفرض عقوبات إضافية على قيادة الدعم السريع لمخالفتها الحظر المفروض منذ عام 2004، في الوقت الذي طالبت فيه المنظمات الحقوقية الأخرى بوقف تدفق السلاح، وإدانة الإمارات بشكل مباشر لتمكينها جماعة وصفتها هذه المنظمات بأنها “قوة تواصل ارتكاب الفظائع بلا توقف”.

الغضب لم يقتصر على المنظمات الحقوقية، بل وصل إلى قلب السياسة الأميركية. ففي الكونغرس، دعا كريس فان هولين ورشيدة طليب وغريغوري ميكس إلى فرض حظر شامل على مبيعات الأسلحة للإمارات، بينما وقّع أعضاء من الحزبين بيانًا قالوا فيه إن الإمارات “أججت الصراع واستفادت منه ومنحت الشرعية للوحوش التي تدمر السودان”. وحتى داخل الإدارة الأميركية، خرج وزير الخارجية ماركو روبيو في أقوى تصريح حتى الآن، مؤكداً أن الدعم الذي تحصل عليه قوات الدعم السريع يأتي من “دولة معينة”، وأن الإدارة “تعرف تمامًا من هي”، محذرًا من أن استمرار هذا الدعم سيترك الإمارات في صورة سيئة أمام العالم. أما أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، فحذر من أن الحرب “خرجت عن السيطرة”، وأن استمرار دخول السلاح إلى السودان سيحوّل البلاد إلى ساحة إبادة مفتوحة.

ومع هذه الضغوط، بدأت سمعة الإمارات تتدهور بسرعة غير مسبوقة. فالدولة التي كانت تعتمد على خطاب التنمية والابتكار والانفتاح وجدت نفسها متهمة دوليًا بأنها أحد أهم مصادر العنف في السودان، وشريك مباشر في جرائم الحرب في دارفور. وهذا انعكس على الداخل الإماراتي نفسه، إذ تراجعت الثقة الدولية في مشروعاتها الكبرى، وأصبحت الشركات تخشى الارتباط بدولة يظهر اسمها في تقارير تتحدث عن ذبح المدنيين وإمداد ميليشيات بالسلاح. كذلك، كشفت الحرب هشاشة السياسة الإماراتية القائمة على التدخل في ملفات خارجية بلا ضوابط، والرهان على جماعات مسلحة بدل الدول، والسعي المحموم للسيطرة على الذهب والموانئ والأراضي الزراعية، مما جعل الإمارات تبدو كدولة تراهن على الفوضى ثم تفاجأ بأن الفوضى تعود لتلتهمها سياسيًا ودبلوماسيًا.

إن ما حدث في الفاشر لم يمزق السودان وحده، بل مزق أيضًا الصورة اللامعة التي حاولت الإمارات تصديرها للعالم. ولأول مرة منذ سنوات، تقف أبوظبي في مواجهة غضب دولي متصاعد، وسط اتهامات موثقة، وشهادات رسمية، وبيانات من الأمم المتحدة، وضغوط من الكونغرس، وكشف متكرر لمسارات السلاح، حتى أصبحت القضية أكبر من مجرد حرب في بلد بعيد، وأكبر من مجرد إنكار دبلوماسي. لقد تحولت إلى أزمة سياسية تضرب قلب الإمارات نفسها، وتجعل السؤال الحقيقي اليوم ليس ما الذي فعلته الإمارات في السودان، بل كيف ستنجو من تورط صنعته بيديها، وكيف ستتعامل مع عالم بات يرى بوضوح أن نفوذها لم يأتِ من استقرار، بل من صفقات السلاح ورعاية الفوضى.