تعيش ولايات كردفان على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق، بعدما أعلن مصدر عسكري سوداني للجزيرة –اليوم السبت– أن قوات الجيش استعادت السيطرة على محلية أم دم حاج أحمد ومنطقة كازقيل بولاية شمال كردفان، بعد معارك ضارية مع قوات الدعم السريع. 

هذا التطور الميداني يفتح الباب مجددًا أمام أسئلة أكبر حول مستقبل الحرب واتساع رقعتها، في وقت تتزايد الاتهامات الدولية لدول إقليمية –وفي مقدمتها الإمارات– بتمويل وإذكاء الصراع عبر دعمها الواسع لقوات الدعم السريع.

تقدم عسكري نوعي للجيش في شمال كردفان

بحسب المصدر العسكري، خاض الجيش اشتباكات عنيفة في عدة محاور داخل إقليم كردفان خلال الساعات الماضية، انتهت باستعادة أم دم حاج أحمد الواقعة شمال شرقي الولاية، والتي كانت قوات الدعم السريع قد سيطرت عليها في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. أما كازقيل، الواقعة جنوب مدينة الأبيض مركز الولاية، فقد ظلت تحت قبضة الدعم السريع منذ 25 سبتمبر/أيلول، قبل أن تستعيدها القوات الحكومية صباح السبت.

ويمثل هذا التقدم –وفق محللين عسكريين سودانيين– محاولة لقطع خطوط الإمداد التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع للتوسع في وسط البلاد وغربها، خاصة بعد سيطرتها على الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور، والذي شكّل نقطة تحول كبيرة في موازين الحرب.

وأكد مصدر آخر في الجيش أن القيادة دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى محاور القتال في ولايات كردفان الثلاث، ضمن خطة تهدف لاستعادة أكبر عدد من المدن والبلدات الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، وإعادة رسم خطوط المواجهة بما يمنع انهيار الجبهة الغربية.

بابنوسة.. معركة أخرى لا تقل ضراوة

ورغم خسارتها مواقع مهمة في شمال كردفان، تواصل قوات الدعم السريع هجومًا واسعًا على مدينة بابنوسة المحاصرة بولاية غرب كردفان، معلنة أنها بسطت سيطرتها على ثلاثة محاور داخل المدينة وأحكمت الطوق على مقر الفرقة 22 مشاة.

لكن قائد الفرقة، اللواء ركن معاوية حمد عبد الله، نفى هذه الرواية بشكل قاطع، مؤكدًا في بيان أمس الجمعة أن المدينة “بخير”، وأن قواته لن تستسلم أو تنسحب، وأنها ستواصل القتال “حتى النصر”.

وتشير مصادر محلية من بابنوسة إلى أن الوضع الإنساني داخل المدينة يتدهور بسرعة، مع نقص حاد في الغذاء والدواء، وانقطاع خطوط الإمداد بفعل الحصار المفروض منذ أسابيع. ورغم محاولات السكان النزوح إلى مناطق أكثر أمانًا، فإن الطريق بين بابنوسة والأبيض بات محفوفًا بالمخاطر بسبب انتشار الحواجز والاشتباكات المستمرة.

خريطة السيطرة.. تمدد للدعم السريع في دارفور وتماسك للجيش في الوسط والشرق

على مستوى الجغرافيا العسكرية، تسيطر قوات الدعم السريع على جميع ولايات دارفور الخمس باستثناء أجزاء محدودة في شمال دارفور. أما الجيش فيحتفظ بمعظم مناطق الولايات الثلاث عشرة الأخرى في الشمال والشرق والوسط والجنوب، بما فيها العاصمة الخرطوم ورئاسة هيئة الأركان العامة.

هذا التوزيع يعكس –بحسب خبراء عسكريين– حربًا طويلة الأمد ذات مراكز قوة متعددة، حيث يعتمد الدعم السريع على التفوق العددي والحركة السريعة، بينما يتمسك الجيش بالمدن الكبرى والمراكز السيادية.

الإمارات.. الاتهام الحاضر في كل جبهة

في موازاة التطورات الميدانية، يتجدد الحديث عن دور الإمارات في تأجيج الحرب عبر دعمها الواسع لقوات الدعم السريع بالسلاح والمال، وفق تقارير أممية وصحفية دولية. فقد أكدت تقارير صادرة عن لجنة خبراء الأمم المتحدة ووسائل إعلام عالمية –منها The Guardian وThe Wall Street Journal– استخدام أبوظبي ممرّات في ليبيا وتشاد لنقل الأسلحة إلى قوات حميدتي، رغم قرار مجلس الأمن بحظر السلاح على السودان.

وتزامنت سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر مع ازدياد الضغط الدولي على الإمارات، حيث اتهمتها قوى سياسية سودانية بـ”رعاية” تمدد الدعم السريع في دارفور وتوفير دعم لوجستي استخباراتي ساهم في تغيير موازين الحرب.

ويرى محللون أن أي تقدّم للجيش في كردفان سيحمل رسائل غير مباشرة للإمارات بأن تمدد قوات الدعم السريع لم يعد مضمونًا، وبأن الجيش يحاول إعادة فرض معادلة جديدة على الأرض رغم الاختلال الكبير الذي أحدثته الأسلحة النوعية التي وصلت إلى الدعم السريع خلال العام الماضي.

كارثة إنسانية تتسع.. والنازحون في تزايد

وتتعاظم الأزمة الإنسانية في السودان بشكل متسارع، بعدما بلغ عدد النازحين نحو 13 مليون شخص منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، وهو ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أكبر موجة نزوح في العالم اليوم.

وفي شمال كردفان وحدها، نزح عشرات الآلاف خلال الأسابيع الماضية مع احتدام القتال واقتراب المعارك من الأبيض، المدينة التي تستضيف أصلًا مئات آلاف الفارين من دارفور وغرب كردفان.

وتحذر وكالات الإغاثة من أن استمرار المعارك في محيط الأبيض سيؤدي إلى انهيار المنظومة الصحية ونقص كارثي في الغذاء، إذ تعتمد المدينة على طرق إمداد باتت الآن في مرمى المعارك أو تحت سيطرة الدعم السريع.

خلاصة المشهد

استعادة الجيش لمنطقتين في شمال كردفان تشكّل اختراقًا ميدانيًا مهمًا، لكنه لا يغير الصورة الكبرى للصراع الذي يتوسع يومًا بعد يوم، وسط دعم خارجي واضح للدعم السريع، وعلى رأسه الدعم الإماراتي الذي بات عنصرًا رئيسيًا في إطالة عمر الحرب.

ومع احتدام المعارك، يبقى المدنيون هم الخاسر الأكبر، فيما يقف السودان على أعتاب مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها الأبرز: حرب طويلة.. وتمويل خارجي يغذيها بلا نهاية.

اقرأ أيضًا : عبّاس شريك في الجريمة.. تصعيد إسرائيلي دموي في الضفة واختناق العشرات بالغاز وإصابة شابين بالرصاص