تزايدت في الأسابيع الأخيرة مؤشرات الإدراك الدولي لدور الإمارات في إذكاء الأزمة السودانية، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة ووسائل إعلام غربية كـBBC ورويترز إلى دعم مالي ولوجستي واسع قدمته أبوظبي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
هذا الدور، الذي تحوّل إلى محور نقاش عالمي، لا يختزل فقط في الإمداد بالمال والسلاح، بل يمتد إلى ما هو أبعد: تعاون أمني وعسكري مع إسرائيل يعيد رسم خارطة الصراع في إفريقيا والبحر الأحمر.
فالجانب الأكثر خطورة في هذا المشهد، والذي يغيب غالباً عن القراءة العامة، هو البعد العسكري-الاستخباري لهذا الدعم. فالإمارات لا تكرر نموذج الاحتلال الإسرائيلي في غزة فحسب، بل تعمل جنباً إلى جنب مع تل أبيب في بناء منظومة نفوذ ممتدة من سواحل اليمن إلى قلب السودان، باستخدام أدوات الحرب بالوكالة، وتشييد قواعد عسكرية، وتعزيز شبكات التجسس والمراقبة.

اليمن والبحر الأحمر: البوابة الأولى للنفوذ الإماراتي-الإسرائيلي
تلاقي المصالح في البحر الأحمر
بدأ الأساس العملي للتحالف العسكري بين الإمارات وإسرائيل قبل سنوات من انفجار الحرب في السودان. فالمصالح الاقتصادية لكل من أبوظبي وتل أبيب تعتمد بدرجة كبيرة على خطوط التجارة البحرية، ما يجعل البحر الأحمر وباب المندب مجالاً استراتيجياً للتنسيق بين الطرفين. ومع تصاعد نفوذ أنصار الله في اليمن واتساع نطاق هجماتهم البحرية، وجد الطرفان نفسيهما أمام تهديد مشترك دفعهما لتعميق التعاون الأمني.
بالشراكة مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، باتت القوات الإسرائيلية والإماراتية تشارك في تدريبات بحرية وجوية مشتركة هدفها مواجهة توسع القوة اليمنية وفرض السيطرة على الممرات البحرية الإستراتيجية.
شبكة قواعد وجزر تحت النفوذ المشترك
منذ تدخل التحالف السعودي-الإماراتي في اليمن عام 2015، توسع الحضور العسكري الإسرائيلي تدريجياً في البحر الأحمر، بدعم مباشر من أبوظبي. فالجزر اليمنية النائية، مثل بريم، زقر، باب المندب، عبد الكوري، وسقطرى، تحولت إلى مواقع لإنشاء مدارج طيران ومنشآت استخباراتية.
تؤكد تقارير إسرائيلية (بينها صحيفة “معاريف”) وجود قاعدة تجسس مشتركة على جزيرة عبد الكوري. كما تُظهر صور الأقمار الصناعية قيام الإمارات بإنشاء مدارج بدائية تصلح لطائرات النقل العسكري والطائرات المسيّرة، وهي بنية تحتية مثالية لتنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والعمليات البحرية.
هذه الجزر، الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المُموَّل إماراتياً، تتيح تغطية استخبارية على موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، وتوفر نقاط ارتكاز لإدارة عمليات بحرية بعيدة المدى—وهو ما يتطابق مع المصالح الإسرائيلية في مراقبة النفوذ اليمني ومنع تهديد الملاحة.
استهداف صنعاء وتكامل الهجمات الجوية
في ذروة الحرب على غزة، نفّذت إسرائيل ضربات جوية على صنعاء والحديدة في 2025. وتكشف مصادر متعددة أن الإمارات شاركت في تقديم معلومات استخبارية لتل أبيب، ما يعكس مستوى أعلى من التنسيق العملياتي. كما شاركت قواتهما الجوية والبحرية في مناورات مشتركة داخل اليونان والخليج.
ورغم التدخل الأمريكي-الأوروبي، لم تنجح هذه الجهود في الحدّ من قدرة أنصار الله على ضرب السفن الإسرائيلية أو إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ما جعل التحالف الإماراتي-الإسرائيلي أكثر اندفاعاً نحو توسيع البنية الاستخبارية في البحر الأحمر.
السودان: الجبهة الثانية للتحالف… وبوابة الذهب والموانئ
على عكس اليمن، يُدار التنسيق الإماراتي-الإسرائيلي في السودان بشكل أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل خطورة. فالإمارات ذات مصالح مالية ضخمة في الذهب والموانئ، بينما سعت إسرائيل منذ 2020 إلى دفع المجلس السيادي السوداني نحو التطبيع.
أهداف مشتركة في السودان:
- تفكيك مسار دعم المقاومة الفلسطينية:
كان السودان لسنوات محطة لتهريب السلاح إلى غزة، وقطع هذا الطريق هدف رئيسي لإسرائيل، بتسهيل إماراتي. - النفوذ الاقتصادي والاستخباري:
وفق تحقيق لصحيفة “هآرتس” عام 2022، سلّمت إسرائيل معدات مراقبة متقدمة لقوات الدعم السريع عبر رحلات خاصة. وفي الحرب الراهنة، أشار صحفيون سودانيون إلى أن أبوظبي لا تعمل وحدها، بل تُنسّق مع تل أبيب في إدارة خطوط الإمداد. - ربط الذهب السوداني بشبكات مالية إقليمية:
الذهب الذي تستخرجه قوات الدعم السريع يمر عبر شبكات التهريب إلى الإمارات، ما يخلق مصدر تمويل ضخم ينعكس على الصراعات الإقليمية.
صناعة الأسلحة… وفتح أبوظبي أمام الشركات الإسرائيلية
منذ اتفاق التطبيع 2020، شهد التعاون الصناعي-العسكري بين الإمارات وإسرائيل طفرة غير مسبوقة.
من أبرز الأمثلة:
- افتتاح فرع لشركة Controp الإسرائيلية في المنطقة الحرة بأبوظبي باستثمار 30 مليون دولار، لإنتاج أنظمة مراقبة متقدمة.
- شراكات بين إيدج الإماراتية ورافائيل وإلبيت والصناعات الجوية الإسرائيلية لتطوير أنظمة دفاع جوي وحلول مضادة للمسيّرات.
- استخدام الإمارات تقنيات تجسس إسرائيلية مثل Pegasus لاستهداف معارضين.
هذا التوسع الصناعي يعزز قدرة الإمارات على تمويل وتسليح وكلائها في السودان واليمن، بينما توفر إسرائيل التكنولوجيا والخبرة.
دبلوماسية أمنية دائمة
تكشف الزيارات المتبادلة بين قادة الأجهزة الأمنية في تل أبيب وأبوظبي عن بنية عميقة لتحالف استراتيجي يتجاوز التجارة والسلاح إلى هندسة جغرافيا سياسية جديدة تمتد من قناة السويس حتى القرن الإفريقي.
خاتمة: محور يعيد رسم الخرائط… ويعمّق الكارثة
إن التحالف العسكري-الاستخباري بين الإمارات وإسرائيل لم يعد مجرد تعاون ثنائي، بل أصبح مشروعاً لإعادة تشكيل الأمن الإقليمي؛ مشروع يقوم على السيطرة على الموانئ، دعم الميليشيات، وبناء قواعد عسكرية على حساب الشعوب.
نتائج هذا المشروع تُرى بوضوح:
- كارثة إنسانية في السودان مع آلاف القتلى وملايين النازحين.
- تفكك اليمن وتوسع الفوضى في البحر الأحمر.
- تصاعد التوتر في القرن الإفريقي.
- ترسيخ نفوذ إقليمي قمعي يخدم مصالح احتلال وديكتاتورية على حساب الاستقرار.
هذا المحور سيظل يشكل تهديداً متزايداً لمستقبل الإقليم، ما لم تتحرك المنظومة الدولية لكبحه، وكشف حجم التدخلات التي تسهم في إطالة الحروب وتوسيع رقعة الانهيار في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.
اقرأ أيضًا : الإمارات تغذي المأساة.. الأمم المتحدة تكشف اختفاء عشرات الآلاف من نازحي الفاشر