تشهد القارة الأفريقية منذ أعوام موجة متصاعدة من التدخل الخليجي، تقودها الإمارات ثم قطر والسعودية، في سباق محموم لفرض النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري على واحدة من أكثر المناطق هشاشة في العالم. 

هذا الحضور المتنامي، والذي ازداد وضوحاً بعد تراجع الدور الأميركي وركود النفوذ الصيني، أعاد تشكيل موازين القوى داخل القارة، وخلق توترات تتجاوز حدود الاقتصاد لتصل إلى صراعات مسلحة كما في السودان والقرن الأفريقي.

أفريقيا.. ساحة مفتوحة في زمن تراجع القوى الكبرى

تراجع انخراط الولايات المتحدة، وتقليص الصين لاستثمارات مبادرة “الحزام والطريق” بفعل أزماتها المالية، فتح الباب واسعاً أمام دول الخليج لملء الفراغ في أفريقيا. القارة التي تمتلك ثروات معدنية هائلة، وكتلة سكانية شابة، وموقعاً استراتيجياً يتحكم بالممرات البحرية من المتوسط إلى المحيط الهندي، أصبحت هدفاً مركزياً لأجندات أبوظبي والرياض والدوحة.

هذه الدول لم تعد تنظر إلى أفريقيا كسوق استثمار، بل كـ”امتداد جيوسياسي” يضمن الأمن الغذائي، ويفتح أسواقاً جديدة، ويوفر أوراق ضغط استراتيجية تمكنها من لعب أدوار تتجاوز حجمها التقليدي. ومع غياب المنافسين التقليديين، تحوّل التوسع الخليجي إلى سباق نفوذ حقيقي يشكل ملامح النظام الإقليمي الجديد.

الإمارات.. اللاعب الأكثر عدوانية وتمدد بلا حدود

تتصدر الإمارات هذا السباق، وتُعد الأكثر انتشاراً وتأثيراً — والأكثر إثارة للجدل. فمنذ 2019، تجاوزت استثماراتها في أفريقيا 110 مليارات دولار، تشمل مشاريع الموانئ، المناطق الحرة، وتجارة المعادن والطاقة المتجددة. شركة “دي بي وورلد” وحدها أصبحت تمتلك أو تدير موانئ استراتيجية مثل ميناء بربرة في صوماليلاند، الذي ترافقه قاعدة عسكرية إماراتية غير رسمية تقدّم نفوذاً مباشراً على البحر الأحمر.

لكن الحضور الإماراتي لم يتوقف عند الاقتصاد؛ ففي السودان، لعبت أبوظبي الدور الأكثر تأثيراً — والأكثر خطورة — عبر دعمها العسكري والمالي لقوات الدعم السريع التي تُتهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية. هذه الاتهامات دفعت السودان إلى قطع العلاقات مع الإمارات ورفع دعوى ضدها أمام محكمة العدل الدولية، في سابقة خطيرة تكشف تورط أبوظبي في صراعات دامية تحت غطاء “الاستثمار والتنمية”.

كما يثير اعتماد دبي على تجارة الذهب الأفريقي — والتي تُقدّر بنحو 30 مليار دولار سنوياً — شكوكاً واسعة حول استيراد الذهب من مناطق نزاع، ما يجعل الإمارات مركزاً عالمياً لتهريب الذهب غير المشروع، رغم محاولاتها تغطية هذه التجارة بإصلاحات تنظيمية شكلية.

قطر.. الوكيل الدبلوماسي الذي ينافس الإمارات بأدوات ناعمة

على النقيض من النهج الإماراتي المتشدد، تعتمد قطر سياسة أكثر هدوءاً و”نعومة”، تستثمر فيها أدوات الوساطة الدبلوماسية والإعلام والاستثمار المنتقى. وتبرز الدوحة كقوة منافسة في شرق أفريقيا ووسطها، خصوصاً في السودان وموزمبيق وتنزانيا.

أعلنت قطر مؤخراً خطة استثمارية غير مسبوقة بقيمة 103 مليارات دولار تشمل ست دول أفريقية، من الكونغو الديمقراطية إلى موزمبيق وزيمبابوي. وتهدف هذه الخطط إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي، والحدّ من اعتمادها على الغاز، وخلق توازن سياسي في مواجهة الإمارات، التي تعتبرها الدوحة لاعباً “مزعزعاً” في القرن الأفريقي.

كما تلعب قطر دور الوسيط المقبول في نزاعات مثل جنوب السودان وتشاد، وتستعمل منصة “الجزيرة” لتشكيل سرديات تعزز مكانتها وتوسع نفوذها.

السعودية.. نفوذ بطيء ولكن ثابت

تتحرك السعودية بوتيرة أبطأ، لكنها تمتلك استراتيجية طويلة المدى ترتبط بأمنها الغذائي ورؤيتها الاقتصادية 2030. تركّز الرياض على الاستثمار في الزراعة، الطاقة المتجددة، التعدين، والبنية التحتية، خصوصاً في شرق أفريقيا ومنطقة الساحل.

وتخطط المملكة لزيادة استثماراتها إلى نحو 25 مليار دولار، بما في ذلك توسعات في ميناء عصب الإريتري وتأمين خطوط النقل البحري الرئيسية للبحر الأحمر. كما تعتمد الرياض على أدوات القوة الناعمة، من المنظمات الخيرية إلى التعاون الديني، لتعزيز نفوذها الثقافي وخلق حضور اجتماعي مستدام.

لكن تجاهل بعض مشاريعها لاحتياجات السكان المحليين أدى إلى احتجاجات واسعة، بل وإفشال مشاريع كان يُنتظر أن تكون رافعة اقتصادية، ما أجبر الرياض على إعادة تقييم أسلوبها في أفريقيا.

تنافس خليجي يتحول إلى صراعات على الأرض

المنافسة بين الإمارات، قطر، والسعودية تجاوزت حدود الاستثمار لتصبح صراعاً سياسياً وأمنياً مباشراً:

  • الإمارات تدعم ميليشيات في السودان والصومال وأجزاء من الساحل

     

  • قطر تحرص على إقصاء النفوذ الإماراتي من القرن الأفريقي عبر الوساطة الناعمة

     

  • السعودية ترفض الوجود العسكري الإماراتي الذي ترى أنه يهدد الأمن الإقليمي

     

هذا التنافس يُنتج اضطرابات داخلية في الدول الأفريقية، ويحوّلها إلى ساحات صراع بالوكالة، ويزيد هشاشتها السياسية والأمنية، ويعمّق الفساد داخل مؤسساتها الرسمية.

أفريقيا… بين الاستثمارات الضخمة وفخّ التبعية

بالنسبة للدول الأفريقية، يبدو التدفق الخليجي فرصة ذهبية لبناء بنية تحتية متهالكة وجذب استثمارات عملاقة، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر الاعتماد السياسي والاقتصادي، واستيراد صراعات الخليج إلى القارة.

الثروات الأفريقية — الذهب، اليورانيوم، النفط، الموانئ — تحولت إلى أدوات تفاوض ترفع قيمة الحكومات، ولكنها تجعلها أيضاً رهائن لقرارات عواصم الخليج، خصوصاً أبوظبي والدوحة.

خاتمة: أفريقيا ليست مجرد “ساحة نفوذ”

يبدو واضحاً أن الانخراط الخليجي في أفريقيا سيتعمق خلال السنوات المقبلة. ومع سعي الإمارات وقطر والسعودية لصياغة نظام إقليمي جديد يمنحها ثقلاً دولياً، تبقى أفريقيا هدفاً مركزياً لهذا السباق. لكن هذا السباق لا يجري دون ثمن؛ فكلما توسعت الاستثمارات، تزايدت المخاطر على شعوب القارة، وازداد احتمال انفجار صراعات محلية تهدد الأمن الإقليمي برمّته.

وفي ظل تورّط الإمارات تحديداً في صراعات دامية، يبرز سؤال ملحّ:

هل ما يحدث هو استثمار وتنمية… أم موجة استعمارية جديدة تُعيد إنتاج الفوضى في القارة؟

اقرأ أيضًا : تصاعد الضغوط الدولية على الإمارات بعد تقارير “العفو الدولية” وجلسة مجلس حقوق الإنسان بشأن جرائم دارفور