لم تمضِ دقائق على بدء المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض حتى تحوّل اللقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى مشهد توتر سياسي وإعلامي حاد، بعد أن وجهت مراسلة شبكة ABC News أسئلة محرجة تتعلق بقضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي، وبمصالح ترامب التجارية مع السعوديين.
المراسلة سارة بروس كسرت البروتوكول الهادئ للمؤتمر وطرحت سؤالين متتاليين هزّا توازن المشهد. فقد سألت أولاً ترامب عن صفقات شركته العائلية مع رجال أعمال سعوديين وما إذا كانت تشكل تضارب مصالح مع دوره في دعم وتحصين العلاقة مع الرياض. سؤال بدا وكأنه يستفز الرئيس الأمريكي الذي لطالما حساس تجاه أي إشارة تربطه بمصالح مالية خارجية.
لكن ما فجّر غضبه فعلياً كان السؤال الثاني الذي وجهته بروس مباشرة إلى ابن سلمان حول مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018. قالت المراسلة:
“خلصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى أنك دبرت جريمة القتل الوحشية لصحفي. وعائلات ضحايا 11 سبتمبر غاضبة من وجودك هنا في المكتب البيضاوي. لماذا يجب على الأمريكيين أن يثقوا بك؟”
هذه اللحظة، التي تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل بسرعة، كشفت عن ارتباك في المشهد وتوتر ظاهر على ملامح ترامب، الذي قاطع المراسلة بانفعال قائلاً:
“من أي جهة أنت؟”
وبمجرد أن عرف أنها من ABC، رد بعصبية:
“أخبار كاذبة… واحدة من أسوأ المؤسسات الإعلامية في هذا المجال.”
ترامب لم يكتفِ بالهجوم على الصحفية، بل حاول حماية ضيفه قائلاً:
“لا داعي لإحراج ضيفنا بطرح سؤال مثل هذا.”
كما سعى لتوضيح أن لا علاقة له بإدارة مؤسسة ترامب التجارية، في إشارة إلى شراكة معلنة لرجال أعمال سعوديين في مشروع لبناء منتجع فاخر في جزر المالديف. بدا الرئيس وكأنه يبعد الشبهة عن نفسه قبل أن تتوسع دائرة الأسئلة الحرجة.
أما محمد بن سلمان، فاختار تجاهل السؤال المتعلق بخاشقجي بالكامل، رغم أنه كان الأكثر حساسية. تجاهلٌ اعتبره محللون محاولة لتجاوز لحظة محرجة يعلم جيداً أنها تطارده منذ 2018 رغم محاولات إعادة تلميع صورته في الولايات المتحدة. الصمت هنا لم يكن مجرد تجاهل، بل إقرار ضمني بأن القضية ما زالت جرحاً مفتوحاً في العلاقات الأمريكية–السعودية، وأن رواية الرياض بشأنها ما زالت تفتقر إلى الثقة لدى الرأي العام الأمريكي.
لكن ولي العهد لم يظل صامتاً تماماً؛ فقد اختار الرد على الجزء المتعلق بضحايا هجمات 11 سبتمبر، قائلاً:
“أشعر بالألم تجاه عائلات الضحايا، لكن تحقيقات المخابرات الأمريكية أكدت أن أسامة بن لادن استخدم السعوديين بهدف ضرب العلاقة بين البلدين.”
وأضاف أن السعودية أجرت تحقيقاتها في ذلك الوقت و”قامت بكل المطلوب منها”، وأدخلت إصلاحات لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.
إجابات ابن سلمان، أو بالأحرى تجنبه الإجابة، تكشف عن معضلة العلاقات العامة التي تواجهها المملكة في الولايات المتحدة. ففي حين تعمل الرياض على تنشيط حملات الضغط والعلاقات مع مراكز القرار الأمريكي، تظل قضايا مثل خاشقجي و11 سبتمبر تطفو مجدداً في كل ظهور علني رفيع المستوى.
أما غضب ترامب، فهو يعكس جوانب متعددة:
-
محاولة منع إعادة فتح ملف خاشقجي في لحظة سياسية هو بحاجة فيها لاستمالة السعودية في قضايا الطاقة، التطبيع، والصفقات الدفاعية.
-
خشية من ربطه تجارياً بالرياض في سياق حساس انتخابياً، إذ قد يُستخدم ذلك ضده بوصفه تضارب مصالح.
-
رغبته الدائمة في السيطرة على المشهد الإعلامي ورفضه للأسئلة غير المتوقعة، خصوصاً من مؤسسات ينتقدها باستمرار.
المشهد بأكمله شكّل إحراجاً واضحاً لمحمد بن سلمان الذي جاء إلى البيت الأبيض لعرض صورة دولة “شريك موثوق” في الملفات الإقليمية، من اليمن إلى الطاقة إلى جهود التطبيع. إلا أن الأسئلة العميقة حول قضية خاشقجي – التي لا تغيب عن الإعلام الأمريكي – أعادت التذكير بأن ولي العهد، رغم الجهود الضخمة لتسويق صورته كزعيم إصلاحي، ما زال مرتبطاً في الذاكرة الأمريكية بقضية اغتيال صحفي بطريقة وُصفت بالوحشية.
في المحصلة، لحظة مواجهة قصيرة أمام الكاميرات، لكنها كشفت هشاشة السردية السعودية بشأن حقوق الإنسان، وقلق ترامب من أي محاولة لربطه بعلاقات مالية مع الرياض، وأعادت إلى الواجهة ملفاً حاول الطرفان دفنه. أما المراسلة التي “أحرجت ابن سلمان”، فقد تحولت إلى حديث الإعلام والشبكات الاجتماعية، بعدما سلطت الضوء على سؤال لا يريد كثيرون في واشنطن والرياض سماعه: هل يمكن الوثوق بقاتل خاشقجي؟