تشهد تونس موجة احتجاجات غير مسبوقة منذ أشهر، غير أن المسيرة التي عمّت وسط العاصمة مساء السبت بدت بمثابة اختبار جديد لموازين القوى بين الشارع الغاضب والسلطة التي تواجه اتهامات متصاعدة بتكريس الحكم الفردي وتضييق الحريات. وتحت شعار “ضد الظلم” خرج آلاف المواطنين، يتقدمهم ناشطون شباب ومحامون وأعضاء منظمات المجتمع المدني، في مشهد عكس تنامياً لتيار معارض يرفض ما يصفه بـ”انزلاق البلاد نحو الاستبداد”.

شارع محمد الخامس يتحوّل إلى ساحة غضب
بدأت المسيرة من “ساحة حقوق الإنسان” قبل أن تشق طريقها عبر شارع محمد الخامس، أحد أهم شرايين العاصمة. ارتدى المحتجون ملابس سوداء كرمز للحِداد على مسار سياسي تراجع، كما قال البعض، ورفعوا لافتات عكست حجم الاحتقان الشعبي:
“يكفي من الاستبداد”، “لا لحكم الفرد”، “الشعب يريد إسقاط النظام”.
ورغم الطابع السلمي للمسيرة، فإن حضور قوات الأمن كان لافتاً، إذ انتشرت عربات الشرطة على طول المسار، في حين تحدّث مشاركون عن محاولات تضييق في النقاط الأولى للتجمّع.
ويقول مراقبون إن الرمزية القوية للموقع وشكل الاحتجاجات، مصدر قلق للسلطة التي تواجه في الفترة الأخيرة اتساع جبهة الرفض لسياسات الرئيس قيس سعيّد، خاصة مع تمدّد الاحتجاجات المهنية والاجتماعية.
اتهامات مباشرة للرئيس: “حوّل تونس إلى سجن كبير”
لم تكن الشعارات وحدها التي استهدفت سعيّد، بل حتى التصريحات المصاحبة للمسيرة حملت اتهامات واضحة له بـ قمع المعارضة وتوظيف القضاء والأمن لتصفية الخصوم السياسيين.
وقال عزّ الدين الحزقي، والد السياسي المعتقل جوهر بن مبارك، في تصريح لوكالة رويترز:
“سعيّد حوّل تونس إلى سجن كبير. كلنا في حالة سراح مؤقت. لن نتخلى ولن نصمت ولن نسلّم له تونس.”
هذا التصريح يعكس حالة احتقان داخل الأوساط المعارضة التي ترى أن الاعتقالات والملاحقات القضائية باتت أداة لإسكات الأصوات المنتقدة. فمنذ 2021، تتوسع قائمة الملاحقين بشبهات مرتبطة بـ”التآمر على أمن الدولة”، وهو توصيف تقول المنظمات الحقوقية إنه فضفاض ويُستخدم ضد كل صوت معارض.
أما رياض الشعيبي، القيادي في جبهة الخلاص الوطني، فأكّد في منظمة المسيرة أن الحراك الشعبي اليوم “يجسد التقاء وطنياً واسعاً حول هدف واحد: استعادة المسار الديمقراطي والتنمية المعطلة منذ خمس سنوات.”
قابس.. بيئة تختنق ومسيرة العاصمة تحمل صوت الجنوب
اللافت في المسيرة كان رفع المتظاهرين شعارات تضامن مع سكان مدينة قابس الذين يخوضون منذ أسابيع احتجاجات متصاعدة للمطالبة بتفكيك المجمع الكيميائي بسبب أزمة التلوث التي تسببت في أضرار صحية وبيئية واسعة.
وردّد المحتجون شعار:
“الشعب يريد تفكيك الوحدات”
وهو الشعار الذي أصبح عنواناً أساسياً في حراك قابس، ليعكس انتقال الاحتجاج البيئي إلى مطلب وطني يُحمّل الدولة مسؤولية “التقصير المتراكم” في معالجة الملف.
مرور المسيرة أمام مقر المجمع الكيميائي في العاصمة، كان خطوة رمزية لدعم الجنوب الذي يشعر بالتهميش المستمر، ما زاد الطابع السياسي للمسيرة، ووسّع دائرة الاحتقان بين الشمال والجنوب.
مشهد احتجاجي متواصل.. وإضرابات قطاعية تزيد الضغط
لا تأتي هذه المسيرة بمعزل عن حراك اجتماعي واسع. فالبلاد شهدت خلال الأسابيع الماضية سلسلة من التحركات شملت:
-
إضرابات في قطاع النقل
-
احتجاجات لموظفي المصارف
-
وقفات للصحفيين ضد التضييقات المتزايدة
-
تحركات للأطباء الشبان
-
حراك بيئي متصاعد في قابس
ويرى خبراء أن هذا التزامن بين الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية “يقوّي جبهة الغضب” ويجعل الوضع أكثر تعقيداً بالنسبة للرئيس سعيّد الذي يواجه أزمات اقتصادية خانقة وتهديدات بانهيار القدرة الشرائية.
تقلّص فضاء الحريات: جمعيات مجمّدة ووسائل إعلام تحت الضغط
تزامن تصاعد الغضب مع موجة محاكمات تطال صحفيين، وإجراءات حكومية اعتبرتها منظمات حقوقية “خطيرة وممنهجة”، بينها:
-
تجميد أنشطة جمعيات مدنية بدعوى “التدقيق الضريبي”
-
قرارات قضائية تمسّ مؤسسات إعلامية
-
تضييق على الأحزاب ومنع اجتماعاتها في بعض الأحيان
-
اتساع دائرة الاعتقالات في صفوف معارضين بارزين
وتقول منظمات تونسية ودولية إن السلطة تستخدم سلاح القضاء والضرائب للتضييق على من تعتبرهم خصوماً سياسيين، وهو ما ينفيه سعيّد الذي يكرر دائماً أن “القانون يُطبّق على الجميع”.
هل تستعيد تونس صوتها؟
تؤشر هذه المسيرة إلى عودة الشارع كفاعل سياسي مركزي في تونس، بعد فترة من الهدوء النسبي، وهي عودة تعيد التذكير بمحطات مفصلية قادت إلى تغيّرات كبرى خلال العقد الماضي.
ويعتقد محللون أن استمرار هذا النسق الاحتجاجي قد ينذر بمواجهة مفتوحة، خصوصاً مع اتساع دائرة الغضب الاجتماعي وتدهور الوضع الاقتصادي الذي يزيد من هشاشة المشهد السياسي.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم:
هل يستطيع الشارع فرض معادلة جديدة تُعيد تونس إلى مسار ديمقراطي مستقر؟
أم أن السلطة ستواصل مسار التضييق، في ظل مؤشرات على تشدد أكبر، وإجراءات قد تدفع البلاد نحو مزيد من الانسداد السياسي؟
اقرأ أيضا : الإمارات وحصار اليمن.. أزمة مجاعة تطرق الأبواب وباحث اقتصادي يكشف الأسباب العميقة