تشهد ولايات كردفان في جنوب السودان واحدة من أعنف جولات الصراع منذ اندلاع المواجهة الكبرى بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث تحوّل قطع خطوط الإمداد إلى الهدف العسكري الأول للطرفين، في معركة تُوصف بأنها كسر عظم، لكسر قدرة الخصم على الصمود وتغيير مسار الحرب الميدانية الممتدة منذ عام ونصف.
ورغم أن الجيش السوداني نجح خلال الأيام الماضية في تسجيل تقدم ملموس على عدة محاور شمال وغرب كردفان، فإن الدعم السريع تحاول بالمقابل تثبيت وجودها، لاسيما في مدينة بابنوسة الاستراتيجية التي تشكّل عقدة النقل والربط ومحور الإمداد الأهم نحو دارفور.
![]()
ضربات جوية ومعارك برية على شرايين الإمداد
يقول مصدر عسكري للجزيرة نت إن ما حققته القوات المسلحة في الأسبوع الأخير من تقدم، وخاصة في محاور شمال وغرب كردفان، شكّل ضربة مؤلمة لمنظومة الإمداد التابعة للدعم السريع التي اعتمدت طوال الأشهر الماضية على التمدد الأفقي نحو مناطق جبلية وصحراوية يصعب التحكم فيها.
ويضيف المصدر ـ الذي فضّل عدم الكشف عن هويته ـ أن الضربات الجوية بالطيران المسير والمقاتلات دمّرت عشرات مركبات الإمداد، وأربكت قدرة الدعم السريع على المناورة، الأمر الذي سمح للقوات البرية بتحقيق اختراقات واسعة في خمسة محاور رئيسة دفعة واحدة.
ويشير إلى أن محاصرة مدينة بارا، واستعادة نقاط حيوية غرب الأبيض، خففت الضغط عن الفرقة 22 في بابنوسة، ووضعت الدعم السريع في موقف دفاعي لأول مرة منذ أشهر، لافتًا إلى أن الجيش “يمتلك الآن زمام المبادرة في كردفان بعد قطع شرايين الإمداد ومحاصرة العدو في جيوب متعددة”.
الدعم السريع: “ننتصر ونتقدم”
في المقابل، تعلن قوات الدعم السريع أنها تحقق تقدماً غرب مدينة الأبيض وفي مناطق جبل أبو سنون وجبل عيسى والعيارة، مؤكدة أن “هذه الانتصارات ترسخ السيطرة الكاملة على معظم إقليم كردفان”، وفق بيان نشرته عبر تطبيق “تليغرام”.
كما بثت القوات مقطع فيديو أعلن فيه عناصرها أنهم على وشك “تحرير مدينة بابنوسة”، في ظل استمرار المعارك حول المدينة التي تعيش أوضاعاً إنسانية صعبة بسبب الحصار ومحاولات الدعم السريع خنق منافذها.
بابنوسة.. مفتاح الحرب و”حلقة النار”
يرى الخبير العسكري العميد الركن جمال الشهيد أن مدينة بابنوسة أصبحت نقطة الارتكاز في الصراع داخل كردفان بسبب موقعها الحيوي وارتباطها بخطوط السكك الحديدية التي تربط الإقليم بدولة جنوب السودان.
ويوضح الشهيد أن فتح الجيش لمحاور عمليات متعددة أربك منظومة الدعم السريع التي اضطرت لتوزيع قواتها على مساحات واسعة، ما أفقدها القدرة على تثبيت حصارها على بابنوسة، إلا أن فتح ممر آمن ومستدام ما يزال هدفاً لم يتحقق كاملاً حتى الآن رغم مؤشرات الانفراج.
الهدف الخفي: السيطرة على النفط وخطوط الحديد
الخبير الأمني اللواء أمين مجذوب يكشف زاوية أخرى في المعركة، إذ يرى أن دخول الدعم السريع إلى كردفان مغامرة تخدم هدفاً استراتيجياً غير معلن: السيطرة على بابنوسة لتأمين خطوط الإمداد القادمة من جنوب السودان، والوصول إلى مناطق النفط، وقطع الإمدادات البترولية عن الحكومة السودانية.
ويوضح أن تشغيل خطوط السكك الحديدية عبر بابنوسة يمنح الدعم السريع قدرة لوجستية ضخمة، وربما دعماً خارجياً يسهم في إطالة أمد الحرب، في إشارة إلى الاتهامات الموجهة لدول إقليمية ـ وعلى رأسها الإمارات ـ بتوفير تمويل أو دعم لوجستي للدعم السريع خلال مراحل سابقة من الصراع.
معركة “الإقليم الواحد”
ويرى مجذوب أن المعارك الحالية هي امتداد مباشر لمعركة الفاشر التي دمّرت موازين القوة. فالجيش يسعى لمنع سقوط أي منطقة أخرى، بينما يحاول الدعم السريع تحقيق ما يعرف بـ”الإقليم الواحد” الذي يجمع دارفور وكردفان تحت سيطرته.
ويضيف أن الدعم السريع تعتمد على خطوط إمداد تمتد خارج الحدود، انطلاقاً من تشاد وليبيا، وتحتاج بشدة إلى تثبيت عمق لوجستي في كردفان، وهذا ما يجعل بابنوسة نقطة الاشتباك الأكثر حساسية.
تغيّر ميزان القوة.. لكن الحرب لم تُحسم
يشير العميد الشهيد إلى أن الجيش حقق نجاحاً عملياتياً كبيراً عبر إغلاق معظم المسارات الرئيسة وتدمير عربات الإمداد، لكن بقاء مسارات ريفية مفتوحة يدفع إلى ضرورة استمرار الضغط الجوي والبري.
ويؤكد أن المشهد الميداني يشير بوضوح إلى تغيّر ميزان القوة لصالح الجيش، إذ تتعرض قوات الدعم السريع لضغط خانق وتآكل يومي في خطوط إمدادها، بينما تستعيد الدولة زمام المبادرة نحو الخوي والنهود، وهما بوابة العبور إلى دارفور.
انقسامات داخل الدعم السريع بعد العقوبات الأوروبية
ويضيف مجذوب أن العقوبات الأوروبية الأخيرة على عبد الرحيم دقلو ـ الرجل الثاني في الدعم السريع ـ أحدثت اهتزازات داخلية، وأن مجموعات داخل القوة تخشى مصيراً مشابهاً لقيادات سابقة مثل علي كوشيب الذي يواجه حكما بالسجن المؤبد.
ويرى أن هذه الانقسامات، إلى جانب استنزاف خطوط الإمداد، تعجل بحدوث انهيار واسع في بنية الدعم السريع، وهو ما يفسر التحركات المتسارعة ميدانياً.
اقرأ أيضا : صدمة بجيش الاحتلال.. حماس عطّلت دبابات “ميركافا” خلال هجوم الطوفان