في خطاب حمل رسائل سياسية ودينية واستراتيجية متعدّدة، وجّه رئيس الوفد المفاوض لحركة المقاومة الإسلامية حماس، خليل الحية، كلمة مسجلة إلى الاجتماع العام للجماعة الإسلامية في باكستان، مؤكدًا خلالها أن ثبات المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني هو الذي أعاد القضية إلى مركزيتها في الوعي العالمي، وفتح الباب أمام تحولات سياسية ورؤيوية غير مسبوقة منذ عقود.
رسائل للأمة: فلسطين وقفٌ إسلامي وصمود غزة مسؤولية جماعية
افتتح الحية كلمته بتوجيه نداء مباشر إلى الأمة الإسلامية، بمؤسساتها الخيرية وعلمائها وهيئاتها الشعبية، داعيًا إياهم إلى تحمّل مسؤولياتهم في تعزيز صمود الفلسطينيين، والإسراع في إعادة إعمار قطاع غزة كي يبقى – بحسب وصفه – “قلعة الأمة الصامدة على طريق التحرير”.
ورأى الحية أن معركة طوفان الأقصى لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل شكّلت «تحولًا لافتًا في الوعي العالمي»، إذ أسهمت في كسر الرواية الإسرائيلية، وتوسيع موجة التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، فضلًا عن إعادة إحياء مسار وحدة الأمة ورفضها المشاريع التي تستهدف تفتيتها وإضعافها.
وشدد على أن فلسطين أرض وقف إسلامي وملك للأمة كلها، وأنها ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل “قضية حرية وإنسان وكرامة للمسلمين جميعًا”، الأمر الذي يحمّل الشعوب والحكومات مسؤولية تاريخية في دعم صمود غزة وحماية القدس والأقصى.
تحذيرات بشأن القدس: التقسيم الزماني والمكاني يقترب
خصّ الحية مدينة القدس والمسجد الأقصى برسالة شديدة اللهجة، محذرًا من حجم التهديدات المتصاعدة التي يتعرض لها الحرم، في ظل الاقتحامات اليومية للمستوطنين، ومحاولات سلطات الاحتلال فرض التقسيم الزماني والمكاني، معتبرًا أن ما يجري “خطر وجودي يستهدف الهوية الإسلامية للمدينة، ويمسّ جوهر عقيدة الأمة”.
ورأى أن حماية الأقصى والقدس تتطلّب حراكًا عالميًا واسعًا، سياسيًا وشعبيًا ودبلوماسيًا، مؤكدًا أن المقاومة الفلسطينية ستبقى «سور الأقصى الحصين» مهما اشتدت الحملات العسكرية عليه.
رسائل إلى باكستان: دور تاريخي منتظر
خليل الحية أشاد بدور باكستان، قيادة وشعبًا وجيشًا، في الدفاع عن قضايا الأمة، مستذكرًا مواقف المؤسس محمد علي جناح الرافض لمنح الاحتلال أي شرعية على أرض فلسطين، ودور المفكر محمد إقبال في ترسيخ الهوية الإسلامية وربطها بقضايا التحرر.
وأعرب عن تطلع المقاومة إلى دور باكستاني “تاريخي” في مسار تحرير فلسطين ونُصرة القدس، في ظل المكانة التي تحتلها باكستان داخل العالم الإسلامي، سياسيًا وعسكريًا وديموغرافيًا.
لا اعتراف بالاحتلال: إفشال أهداف العدوان
وجدد الحية التأكيد على التزام حركة حماس بعدم الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن الشعب الفلسطيني ومقاومته أفشلوا الأهداف التي أعلنها الاحتلال منذ بدء عدوانه على قطاع غزة.
وقال إن المقاومة، رغم الثمن الباهظ للعدوان، “ثبتت في الميدان، ونجحت في كسر هيبة الجيش الذي ادّعى أنه لا يُهزم”، وأن الاحتلال “لم يحقق أيًا من وعوده السياسية أو العسكرية”.
القاهرة: لقاء جديد في مسار التفاوض
بالتوازي مع خطاب الحية، أعلنت حركة حماس أن وفدًا من قياداتها اجتمع في القاهرة الأحد مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، حسن رشاد، لبحث تطورات اتفاق وقف إطلاق النار وملامح المرحلة الثانية منه.
وبحسب بيان الحركة، فإن الوفد الذي ضمّ أعضاء بارزين من المكتب السياسي، على رأسهم خالد مشعل، وخليل الحية، ونزار عوض الله، وغازي حمد، ناقش “طبيعة المرحلة الثانية من الاتفاق”، في ظل تعقيدات تتعلق بملف الأسرى والدمار الواسع في قطاع غزة.
المرحلة الثانية: رفات الأسرى.. عقدة المشهد
فيما تربط تل أبيب الدخول في المرحلة الثانية من التفاوض بتسلّم ما تبقى من رفات أسرى جنودها الذين تحتجزهم حركة حماس، تؤكد الحركة أن المسألة تستغرق وقتًا طويلًا نظراً لحجم الدمار الذي خلّفه الاحتلال خلال أكثر من عام من الحرب، وأنها لا تقدم أي ضمانات أو التزامات قبل استكمال عمليات البحث والانتشال.
ويرى مراقبون أن هذه النقطة تمثل العقدة الأكبر في مسار التفاوض، إذ تحاول إسرائيل الضغط لانتزاع رفات جنودها بسرعة لتوظيفها سياسيًا، بينما تتريث حماس وتتمسك بإطار تفاوضي شامل يشمل إنهاء العدوان وإعادة الإعمار وعودة النازحين.
ثبات المقاومة: الرسالة المركزية
من مجمل رسائل الحية، بدا واضحًا أن العنوان المركزي هو ثبات المقاومة واستمرار حضورها السياسي والعسكري رغم كل الضغوط. فالخطاب لم يقتصر على استحضار الرمزية الدينية أو السياسية، بل حمل تأكيدًا صريحًا على أن مشروع المقاومة ما زال قائمًا، وأن الضربة التي تلقاها الاحتلال في 7 أكتوبر كانت “زلزالًا استراتيجيًا” لا يمكن محوه.
كما أراد الحية من خلال رسائله المتعددة أن يضع العالم الإسلامي أمام مسؤولياته، وأن يذكّر بأن فلسطين ليست صراعًا حدوديًا، بل قضية “تحرير وكرامة وهوية”، وأن غزة، رغم الجراح، لا تزال “قلعة الأمة” التي تقف على الخط الأول دفاعًا عن القدس.
بهذا، يتحول خطاب الحية إلى ما يشبه خريطة طريق سياسية وأخلاقية، تؤكد أن ما بعد طوفان الأقصى ليس كما قبله، وأن المقاومة – بثباتها – تعيد رسم معادلات المنطقة، وتعيد توجيه البوصلة نحو فلسطين باعتبارها قضية الأمة المحورية.
اقرأ أيضًا : الإمارات مروّجة الإسلاموفوبيا.. جدل متجدد في بريطانيا حول تعريف الظاهرة واتساع مخاوف المسلمين