محمود منصور
في تصريحات حادة ومباشرة، أكد الناطق الرسمي باسم الجبهة الوطنية للتغيير في السودان محمود الجمل، في حديث خاص أن الهدنة الإنسانية التي أعلنها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” ليست خطوة تهدف لحماية المدنيين أو وقف المأساة الإنسانية، بل “فخ مُحكم ومصمم بدقة لمنح ميليشياته الوقت الكافي لإعادة التسليح وترتيب الصفوف، وإخفاء مجازر الفاشر التي كشفتها صور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين والتقارير الدولية”.
وقال الجمل إن “الميليشيا التي أحرقت الجثث ومنعت الدفن وأغلقت الطرق أمام الفارين لا يمكن أن تدّعي فجأة الإنسانية”. ورأى أن مدة الثلاثة أشهر التي أعلن عنها حميدتي “تكشف بوضوح النية في استخدام الهدنة كغطاء للهروب من الضغط العسكري والدولي والاستعداد لجولة قتال جديدة”.
وأشار الجمل إلى أن الدعم السريع “لم يلتزم بأي هدنة منذ اندلاع الحرب”، وأن كل إعلان سابق عن وقف إطلاق النار كان “محاولة لالتقاط الأنفاس بعد التراجع الميداني واستقدام السلاح والإمداد، وليس لفتح ممرات آمنة أو السماح بعودة النازحين”. وأضاف أن هذه الهدنة “هدنة للقتال وليس للسلام”، مؤكدا أن أي حل حقيقي يبدأ بـ“محاسبة الجناة ومنع تحويل الهدنة إلى غطاء لحرب جديدة”.
ستار لإخفاء مجازر الفاشر ودور الإمارات
وشدد الجمل على أن منع دخول الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وخبراء حقوق الإنسان إلى مدينة الفاشر منذ أسابيع يؤكد أن الجرائم ما زالت مستمرة، وأن “الحديث عن هدنة مجرد ستار للتغطية على المذابح وإخفاء الأدلة قبل أي مسار سياسي أو تفاوضي”. واعتبر أن الهدف الحقيقي هو “تعطيل دخول فرق التقييم الإنسانية ومنع أي رقابة يمكن أن توثق مسؤولية الدعم السريع والدور الإقليمي الذي يقف خلفه، وعلى رأسه الإمارات التي وفرت السلاح والتمويل والمرتزقة حسب تقارير دولية عديدة”.
ورأى الجمل أن الحكومة السودانية هي أول من طرح مفهوم الهدنة الإنسانية قبل دحر التمرد من الخرطوم، وأن خارطة الطريق التي قدمتها للأمم المتحدة تضمنت “وقفا حقيقيا للقتال يسمح بعودة النازحين ويضمن مراقبة دولية تمنع استغلال الهدنة عسكريا”. وأكد أن الجيش السوداني “لا يرفض الهدنة بل يرفض استخدامها كأداة لتمكين الميليشيا”، محذرا من أن أي هدنة بلا رقابة صارمة “ستنتهي بانهيار كامل كما حدث سابقا حين استغلتها الميليشيا للهجوم على المدنيين”.
وقال الجمل إن البرهان أعلن استعداد الحكومة لهدنة تحفظ حياة المدنيين، لكن السودان “لن يقبل هدنة تتحول إلى حصان طروادة يستخدمه الدعم السريع لإعادة التموضع أو استقدام السلاح أو تثبيت واقع عسكري بالقوة أو طمس معالم الجرائم”.
تحالف جديد يُربك أبوظبي ويقلب موازين المنطقة
وفي سياق أوسع، اعتبر الجمل أن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسودان كدولة لها جيش وحكومة “تحول جوهري في فهم واشنطن للملف السوداني”، موضحا أن هذا التحول جاء بعد أن قدّم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان “تقريرًا دقيقًا ومتكاملاً” لترامب حول طبيعة الأزمة وصلتها بالأمن الإقليمي. وقال إن التحالف المتنامي بين ترامب ومحمد بن سلمان “سيعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، ويقلص النفوذ الإماراتي الذي تمدد بتهور شديد وأصبح محل سخط عربي ودولي واسع”.
وأكد الجمل أن التحالف الجديد “سينهي عمليا الدور الإقليمي للإمارات التي ستجد نفسها وحيدة بعد انكشاف سياساتها، فيما سينسحب حلفاؤها الواحد تلو الآخر”، مشيرا إلى أن الإمارات “ستدفع ثمن سلوكها لأنها تعاملت مع قضايا المنطقة باندفاع ورعونة أفقدتها المقبولية الإقليمية”. وأضاف أن العالم محكوم بالقوة والمصالح، وإذا أدارت واشنطن والرياض ظهرهما لأبو ظبي “فإن الحلفاء سينحازون للمعادلة الجديدة دون تردد”.
وأوضح الجمل أن السعودية تتحرك لاستعادة دورها الطبيعي كقوة فاعلة في المنطقة بعد “التصرفات الطائشة التي ارتكبتها الإمارات في مسارح عديدة وأضرت بالاستقرار الإقليمي”. وأشار إلى أن أمن البحر الأحمر جزء من أمن المملكة، وأن “الانحراف الإماراتي في الملف السوداني كاد يقود إلى زعزعة أمن المنطقة بأكملها، ما دفع الرياض لإرسال إشارة إنذار إلى واشنطن”.
وختم الجمل بالتأكيد على أن نجاح الهدنة أو فشلها “يعتمد على جدية الولايات المتحدة في علاقتها مع المملكة، وعلى مدى رغبتها في دعم الأمن الإقليمي في مواجهة التمدد الفوضوي الذي صنعته الإمارات وميليشياتها في السودان”، مؤكدا أن الشعب السوداني “لن يقبل بأي مبادرة تُستخدم لإضعاف الدولة أو شرعنة التمرد أو إخفاء الجرائم التي ارتكبت في الفاشر وغيرها”.
اقرأ أيضًا : تصاعد المعارك في كردفان.. ومسيّرات الدعم السريع تستهدف الأُبيّض وسط اتهامات لإجرام بن زايد بإطالة الحرب