تكشف صحيفة “هآرتس” العبرية، في تقرير صادم، جانبًا آخر من الانتهاكات المتفاقمة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، حيث يعانون من “الجوع الحقيقي” ونقصٍ شديد في الطعام، رغم صدور قرار عن المحكمة العليا الإسرائيلية قبل ثلاثة أشهر يُلزم مصلحة السجون بتوفير كميات مناسبة من الغذاء تضمن الحفاظ على صحتهم. لكن الإفادات التي جمعتها منظمات حقوقية من داخل الزنازين أظهرت أن الاحتلال لم يلتزم بالحكم، بل زاد من سياساته العقابية المتمثلة في التجويع والإهمال.

أحكام قضائية بلا تنفيذ.. والأسرى: “نحن نتضور جوعًا”

بحسب “هآرتس”، فإن المحكمة العليا قضت قبل نحو ثلاثة أشهر بوجوب زيادة كميات الطعام المقدمة للأسرى الأمنيين، بعد التماس سابق قدمته جهات حقوقية. ومع ذلك، تؤكد الصحيفة أنه لم يطرأ أي تغيير فعلي في أوضاع الأسرى منذ صدور الحكم، وهو ما دفع “جمعية حقوق المواطن” ومنظمة “غيشا” لتقديم التماس جديد الأسبوع الجاري، يطالب بفرض عقوبات على مفوض مصلحة السجون كوبي يعقوب لإهماله المتعمد.

وتشير الإفادات التي أرفقتها المنظمتان إلى أن الأسرى “لم يسمعوا أصلًا بصدور قرار المحكمة”، وأن إدارة السجون لم تُبلغهم به، ولم تُجرِ أي فحوصات أو تحديثات تتعلق بوجباتهم الغذائية.

وفي إحدى الشهادات الخطية التي أدلى بها محامٍ زار 53 أسيرا في عدة سجون، أكد أن “الجميع تحدث عن كميات طعام ضئيلة للغاية، ومتدنية الجودة، وأن بعضهم يعيش بشعور دائم بالجوع”. وأضاف أن أحد المعتقلين قال له صراحة: “نحن نموت جوعًا ونحلم بالطعام”.

طعام منتهي الصلاحية.. وخضراوات متسخة.. ووجبات تُخفّض بالماء

من شهادات الأسرى يتضح حجم الانتهاكات التي وصلت إلى مستوى التجويع المتعمد؛ إذ أكد محامون زاروا سجون عوفر وغانوت ومجدو وجلبوع وكتسيوت وشطة، أن الأسرى يحصلون منذ 7 أكتوبر 2023 على:

  • طعام منتهي الصلاحية

  • خضراوات متسخة وغير صالحة للاستهلاك

  • كمية ضئيلة من الطحينة تُخفّف بالماء لتمتد أطول فترة ممكنة

هذه الممارسات لا تمثل فقط انتهاكًا للقوانين الإسرائيلية، بل ترقى إلى مستوى العقوبات الجماعية التي تحظرها الاتفاقيات الدولية.

ويكشف المحامون أن معظم الأسرى فقدوا جزءًا كبيرًا من وزنهم. وبعض الحالات وصلت إلى مستويات مروعة؛ إذ يروي أحدهم:
“التقيت بمعتقل إداري كان وزنه 130 كيلوغرامًا، والآن لا يتجاوز 60 كيلوغرامًا”.

كما تحدث عن أسرى وصل وزنهم إلى 49 كيلوغرامًا أو أقل، وهو مؤشر خطير على سوء تغذية حاد.

سجون تتحول إلى غرف “تجويع”.. والاحتلال يواصل الإنكار

ورغم هذه الشهادات، لم تتوقف مصلحة السجون عن سياسة الإنكار. وردًا على تقرير “هآرتس”، زعمت أنها ملتزمة بتوفير الطعام “بكمية وجودة تحافظ على صحة السجناء”، وأنها شكّلت فريقًا لتنفيذ قرار المحكمة العليا. لكن المنظمات الحقوقية تصف هذه الادعاءات بأنها مجرد غطاء إعلامي يخفي استمرار سياسة التجويع التي أصبحت جزءًا من منظومة العقاب داخل السجون.

ويؤكد مراقبون أن الاحتلال يتحجج دائمًا بـ”المخاطر الأمنية” لتبرير منع تحسين الظروف الإنسانية داخل السجون، وهو ما يظهر جليًا في رد مصلحة السجون حين قالت إنها تسعى إلى “تنفيذ الحكم مع الحفاظ على سلامة مقاتلي السجون من السجناء الأمنيين”.

10 آلاف أسير.. جوع وتعذيب وإهمال طبي

وفق البيانات الفلسطينية والإسرائيلية، يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، يعانون ظروفًا وُصفت بأنها “الأسوأ منذ عقود”. وتشمل الانتهاكات:

  • التجويع ونقص الطعام

  • الإهمال الطبي

  • الحرمان من الزيارات

  • العزل الانفرادي

  • الضرب والاعتداءات

  • إهانة الكرامة الإنسانية

وتؤكد منظمات حقوقية أن العشرات من الأسرى قضوا خلال العامين الماضيين نتيجة التعذيب، وغياب الرعاية الطبية، وسوء التغذية.

التجويع كسلاح.. وسياسة ممنهجة لكسر الإرادة

يرى متخصصون في شؤون الأسرى أن الاحتلال يستخدم التجويع ليس كخطأ إداري أو إهمال، بل كسلاح لإخضاع الأسرى وإضعاف مقاومتهم النفسية والجسدية. فمنذ 7 أكتوبر، صعّد الاحتلال من إجراءات القمع في السجون، بالتزامن مع الحرب على غزة، عبر:

  • تقليل كمية الطعام

  • خفض جودة الوجبات

  • تقليص إدخال المشتريات “الكانتينا”

  • تقنين المياه أحيانًا

  • زيادة العقوبات الانضباطية

هذه الإجراءات تصب في إطار سياسة انتقامية تستهدف الأسرى تحديدًا بعد تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل نتيجة جرائمها في غزة.

منظمات حقوقية: الاحتلال ينتهك القانون الدولي علنًا

“جمعية حقوق المواطن” ومنظمة “غيشا” شددتا في التماسهما للمحكمة العليا على أن ما يجري هو انتهاك واضح للقوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة، التي تلزم قوة الاحتلال بتأمين الغذاء الكافي والملائم للسجناء، وضمان سلامتهم الجسدية.

كما حذرت المنظمتان من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى كوارث صحية، خاصة لدى المرضى وكبار السن والمعتقلين لفترات طويلة.

خاتمة: جوعٌ يفضح وحشية الاحتلال

يكشف تقرير “هآرتس” حجم الإجرام غير المحدود الذي تمارسه إسرائيل بحق الأسرى الفلسطينيين، في وقت تواصل فيه التفاخر بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. وبينما تتجاهل مصلحة السجون قرارات محاكمها العليا، يواصل آلاف الأسرى مواجهة الجوع والإذلال والإهمال الطبي، في ظروف قد ترقى إلى جرائم حرب.

يبقى السؤال:
إلى متى سيظل الأسرى الفلسطينيون يموتون ببطء داخل زنازين الاحتلال بينما يتذرع العالم بالصمت؟

اقرأ أيضا: القضاء البريطاني يدرس طعنًا ضد حظر “فلسطين أكشن” وسط اتهامات بدعم لندن لإجرام الاحتلال