في تصريحات رسمية تعكس حجم التوتر الإقليمي وتعقيدات المشهد السوداني، اتهم وزير العدل السوداني مولانا عبد الله محمد درف دولة الإمارات بالاضطلاع بدور تخريبي ممنهج داخل السودان، ووصفه بأنه “دور وظيفي” يخدم مصالح قوى دولية تسعى للسيطرة على الثروات الطبيعية وفتح مسارات نفوذ جديدة في القارة الإفريقية. وأكد الوزير أن ما يجري ليس مجرد صراع داخلي، بل ساحة تتقاطع فيها مشاريع قوى خارجية تسعى لإعادة تشكيل الإقليم على حساب استقرار السودان ووحدة أراضيه.

80% من الأراضي تحت سيطرة الجيش.. وعودة طوعية للنازحين
الوزير أوضح أن القوات المسلحة السودانية استعادت السيطرة على ما يقرب من 80% من الأراضي السودانية، وهو ما أدى – بحسب قوله – إلى تقلّص نفوذ ميليشيا الدعم السريع التي فقدت قدرتها على الانتشار والتأثير في معظم الولايات. واعتبر أن الانتصارات العسكرية للجيش دفعت آلاف المدنيين إلى بدء العودة الطوعية إلى قراهم ومدنهم، خاصة بعد انسحاب الميليشيا من مواقع استراتيجية كانت تسيطر عليها في دارفور والخرطوم.
وأشار إلى أن الشعب السوداني بدأ يستعيد ثقته بالمؤسسات الرسمية، وأن جهود إعادة الأمن في المناطق المحررة تسير بوتيرة متصاعدة، رغم حجم الدمار ونقص الخدمات الأساسية نتيجة الحرب المستمرة منذ منتصف 2023.
“جرائم فاقت التصور”.. لا تفاوض قبل نزع السلاح الكامل
لم يتردد وزير العدل في وصف الجرائم التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع في الفاشر والجنينة بأنها “فاقت في فظاعتها كل تصور”، مؤكداً أن انتهاكاتها ضد المدنيين وصلت إلى مستويات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وشدد على أن الحكومة السودانية لن تدخل في أي مفاوضات سياسية معها قبل تسليم أسلحتها بشكل كامل، باعتبارها ميليشيا متمردة لا يمكن دمجها في أي ترتيبات أمنية أو سياسية.
وأكد الوزير أن المزاج الشعبي في السودان حسم موقفه، وأن الأغلبية الساحقة من السودانيين ترفض أي وجود سياسي أو عسكري لهذه الميليشيا مستقبلاً، بعد ما ارتكبته من مجازر وعمليات تهجير ونهب وتخريب للبنية التحتية المدنية.
اتهامات مباشرة للإمارات وتشاد: “طعن في الظهر”
في سياق حديثه، قال الوزير إن السودان تعرض لـ “طعنة في الظهر” من بعض الدول الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، التي تتهمها الخرطوم بتزويد الميليشيا بالسلاح والمال والغطاء السياسي. ووصف هذا التدخل بأنه دور تخريبي صريح يستهدف زعزعة الاستقرار، واستغلال حالة الحرب لإحداث تغييرات استراتيجية تصب في مصلحة أطراف خارجية.
وأضاف أن تشاد أيضاً لعبت دوراً سلبياً عبر تسهيل تحركات عناصر من ميليشيا الدعم السريع عبر الحدود، ما أسهم في إطالة أمد المعارك وتعقيد الجهود السياسية الساعية لوقف النزاع.
وأكد أن “المشروع التخريبي” للإمارات لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد – وفق تقييم الخرطوم – إلى استهداف قطاعات اقتصادية حيوية واستغلال الثروات السودانية في مناجم الذهب والموانئ عبر وكلاء محليين.
إشادة بمصر والسعودية.. ومسار دولي للسلام
على الجانب الآخر، أثنى وزير العدل على الدور المصري في دعم وحدة السودان والحفاظ على مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن القاهرة تبنت موقفاً داعماً للمؤسسة العسكرية السودانية بوصفها الضامن الوحيد لوحدة البلاد ومنع تفككها.
كما أشار إلى مبادرة سعودية-أمريكية تسعى لإطلاق مسار سياسي شامل، يتضمن وقف إطلاق النار، وإلزام الميليشيات بنزع السلاح، ومساعدة الخرطوم في استعادة الأمن وتهيئة المناخ لإعادة الإعمار. واعتبر الوزير أن الحكومة السودانية تتعامل بإيجابية مع هذه الجهود على أمل التوصل إلى اتفاق مستدام يطوي صفحة الحرب.
السودان في قلب صراع ممتد على الموارد والجغرافيا
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، يعيش السودان أحد أعنف الصراعات في تاريخه الحديث بين القوات المسلحة وميليشيا الدعم السريع، وهو صراع اتخذ أبعاداً جيوسياسية واسعة تتجاوز حدود الدولة. فالمعارك اندلعت في مناطق استراتيجية مثل الخرطوم وأم درمان والفاشر والجنينة، وارتبطت بالسيطرة على الموارد والممرات التجارية ومناجم الذهب، إضافة إلى التنافس على النفوذ الإقليمي في البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
وقد أدى النزاع إلى نزوح ملايين المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية، فيما تشير تقارير إنسانية إلى أزمة غذاء غير مسبوقة في ولايات دارفور وكردفان بسبب الحصار والنهب وقطع طرق الإمداد.
رسالة حاسمة: لا سلام دون إنهاء الميليشيا ودورها الخارجي
تأتي تصريحات الوزير في لحظة حساسة، حيث يسعى الجيش لتعزيز سيطرته الميدانية، فيما تتزايد الضغوط الدولية لفرض مسار تفاوضي. لكن الخرطوم تبدو حاسمة: لا سلام دون تفكيك الميليشيا، ولا استقرار دون وقف التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي الذي تتهمه الحكومة بأنه المحرك الرئيسي لفوضى السلاح وتمويل الحرب داخل السودان.
وبذلك ترسم الحكومة السودانية معالم المرحلة المقبلة بوضوح: دولة موحدة تحت قيادة جيش وطني، ورفض كامل لأي وجود ميليشياوي، ومساءلة صارمة لكل الجهات التي تورطت في دعم الحرب أو تغذية الانتهاكات، سواء كانت محلية أو إقليمية.
اقرأ أيضا : إجرام الاحتلال يتصاعد.. شهيدين بالخليل بزعم “الدهس”