في ظل التصعيد العسكري المتواصل واتساع رقعة الانتهاكات في السودان، تبرز العقوبات الأميركية الأخيرة ضد ميليشيا الدعم السريع كخطوة مهمة لكنها “غير كافية” لوقف الحرب، كما يؤكد محللون يرون أن جذور الصراع أعمق من مجرد إجراءات مالية أو حظر سفر. 

فالحرب -بحسب هؤلاء- تغذيها شبكات إقليمية ودولية، أبرزها الإمارات التي تتهمها تقارير متعددة بتمويل الميليشيا وتسليحها، إضافة إلى أدوار لقوى أخرى تستفيد من استمرار الفوضى.

عقوبات محدودة.. وحرب تتوسع

فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية فرض عقوبات على جهات كولومبية قالت إنها تساعد ميليشيا الدعم السريع، وأسهمت في سيطرتها على مدينة الفاشر وارتكاب فظائع واسعة هناك. كما أوضحت وزارة الخزانة أن عناصر الميليشيا والمتحالفين معها ارتكبوا اغتصابات وانتهاكات جنسية بحق نساء وفتيات في المدينة، ولا يزالون يمارسون هذه الجرائم حتى اليوم.

تزامنت العقوبات مع حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبته في “إنهاء الحرب” بطلب من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لكنّ المحللين يشيرون إلى أن الحرب التي تديرها أطراف متعددة لا يمكن إيقافها ببيان عقوبات أو تهديدات سياسية، طالما بقيت ميليشيا الدعم السريع تتلقى السلاح والمال والتكنولوجيا من داعمين خارجيين، وعلى رأسهم أبوظبي.

“العقوبات وحدها لا تكفي”.. التمويل الخارجي هو السبب

الصحفي السوداني محمد تورشين يؤكد أن العقوبات الأخيرة خطوة مهمة، “لكن تأثيرها لا يتجاوز الضغط السياسي”. فالقوة الحقيقية -برأيه- تكمن في قدرة واشنطن على مواجهة الدول التي تموّل الميليشيا وتنقل إليها السلاح والمرتزقة وتوفر لها التكنولوجيا العسكرية المتقدمة التي تستخدمها في ساحات القتال.

تورشين لا يسمي الدول بشكل مباشر، لكنه يشير بوضوح إلى منظومة إقليمية تجند المرتزقة وتتعاقد على توريد الأسلحة وتدير عمليات نقل عبر طرق سرية، وهي اتهامات تتطابق مع ما كشفته تقارير حقوقية وأممية حول الإمارات ودورها في تمويل وتسليح الدعم السريع منذ بداية الحرب.

ويرى تورشين أن واشنطن لن تستطيع تغيير مسار الحرب إلا إذا مارست ضغطا مباشرا على هذه الدول لإجبارها على وقف دعم الميليشيا، مضيفا أن أي تحرك أميركي لا يتضمن هذه النقطة سيظل ناقصا وغير مؤثر.

تاكر: الحرب لن تتوقف دون تدخل مباشر من ترامب

الخبير في الشؤون الأفريقية جوزيف تاكر يذهب أبعد من ذلك، مؤكدا أن العقوبات الأميركية الحالية ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة لم تغيّر شيئا على الأرض. ويقول إن هذه العقوبات تستهدف هذه المرة مصادر التمويل الخارجي، لكنها “غير كافية” أمام حجم التداخلات الإقليمية غير المسبوقة في الصراع.

ويؤكد تاكر أنه لا يوجد دليل على تدخل ترامب بشكل مباشر في إدارة الملف السوداني رغم تصريحاته الأخيرة، معتبرا أن إنهاء الحرب لن يحدث ما لم يتدخل الرئيس الأميركي بنفسه في حوار مع السعودية والإمارات ومصر، وهي الدول الأكثر تأثيرا على مسار العمليات العسكرية.

مكي: رسالة أميركية لداعمي الميليشيا.. لا حصانة بعد اليوم

الدكتور لقاء مكي، الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات، يرى أن العقوبات رغم محدوديتها تحمل رسالة سياسية قوية: من يموّل ميليشيا حميدتي سيكون في مرمى العقوبات الأميركية قريباً. ويضيف أن واشنطن تدرك جيدا أن قبول الجيش السوداني بتسوية تعكس الأمر الواقع بعد خسائره الميدانية سيُعد انتصارا للدعم السريع، ولذلك تعمد إلى “إقصاء الميليشيا من طاولة التفاوض عبر إدانتها رسميا”.

ويرى مكي أن البيان الأميركي موجّه بالدرجة الأولى إلى الإمارات التي تعدّ الداعم الأبرز لميليشيا حميدتي، وأن واشنطن تلوّح بعقوبات مباشرة ضد أبوظبي إذا استمرت في دورها الميداني.

ما أدوات الضغط المتاحة لواشنطن؟

بحسب تورشين، فإن تفعيل قرار مجلس الأمن الذي يجرّم تزويد طرفي النزاع بالسلاح سيكون خطوة مهمة إذا قررت واشنطن المضي في التصعيد. لكنه يكرر أن العامل الحاسم سيظل مرتبطا بمدى استعداد الإدارة الأميركية لفرض إرادتها على داعمي حميدتي.

ويتفق تاكر مع هذا الطرح، مؤكدا أن الحوار الأميركي مع الدول الثلاث المعنية—الإمارات والسعودية ومصر—هو الذي سيحدد مستقبل الحرب، خصوصا في ظل إدراك واشنطن لخطورة الدعم الخارجي الذي تلقاه الميليشيا.

سيناريوهات ما بعد العقوبات

حتى الآن، يصعب التكهن بما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة، لكنّ المؤشرات—بحسب مكي وتورشين—تدل على أنها لن تقبل بأي دور سياسي لحميدتي أو للبرهان بعد انتهاء الحرب، نظرا لاتهامهما بارتكاب جرائم جسيمة قد تمنع إشراكهما في أي مرحلة انتقالية.

ويرجح مكي أن تضغط واشنطن على البرهان للقبول بوقف إطلاق نار يمهّد لمبادرات سياسية تؤدي إلى إخراج القائدين من المشهد تمامًا.

أما تورشين، فيتوقع أن تحاول ميليشيا الدعم السريع تقليل هجماتها على المناطق السكنية لتحسين صورتها أمام واشنطن، وربما للمطالبة لاحقا بالاحتفاظ بوضعية “قوة مستقلة” كما كانت قبل الحرب، رغم أن ذلك يبدو بعيد المنال حاليا.

خلاصة

العقوبات الأميركية الأخيرة، على أهميتها، ليست سوى خطوة أولى في طريق طويل. فالحرب في السودان ليست نزاعا محليا فقط، بل ساحة صراع إقليمي معقّد تقف فيه الإمارات كأبرز داعم لميليشيا الدعم السريع، بينما تتردد واشنطن بين ممارسة الضغط والحفاظ على مصالحها مع حلفائها.

ومع غياب رؤية أميركية واضحة، واستمرار الدعم الخارجي للميليشيا، يبدو أن الحرب ستتواصل ما لم تقرر الولايات المتحدة—وبشكل مباشر—استخدام نفوذها لوقف تدفق السلاح والمال، والضغط على اللاعبين الإقليميين لوقف النزيف السوداني الذي طال أمده.

اقرأ أيضًا : عقوبات أمريكية على شبكة كولومبية لتجنيد المرتزقة للسودان.. وغطاء سياسي لحماية الدور الإماراتي خلف الكواليس