يتصاعد المشهد العسكري في إقليم كردفان السوداني مع تجدد القصف الذي نفذته ميليشيا الدعم السريع على مناطق مدنية وحيوية، في مؤشر خطير على انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر دموية واستهدافًا للبنية التحتية الصحية والإنسانية. ووفق مصدر عسكري في الجيش السوداني للجزيرة، قصفت ميليشيا الدعم السريع صباح اليوم مدينة الرهد بولاية شمال كردفان بقذيفتين، إحداهما عبر مسيّرة استهدفت موقعًا على الطريق الرابط بين الرهد ومدينة الأبيض، والأخرى طالت الجهة الغربية للمدينة، ما أدى إلى إصابة مدني واحد على الأقل، وسط حالة من الهلع بين السكان.

المسيّرات سلاح الترهيب

الهجوم على الرهد لم يكن معزولًا، إذ أشار المصدر العسكري إلى أن مسيّرات تابعة لميليشيا الدعم السريع قصفت كذلك منطقة “سماسم” جنوب مدينة الدلنج، إلى جانب منطقة “أبو جبيهة” بولاية جنوب كردفان. ويعكس هذا النمط من الضربات اعتماد الميليشيا بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، ليس فقط كأداة عسكرية، بل كسلاح ترهيب يستهدف المدنيين ويقوض أي شعور بالأمان في المدن الواقعة على خطوط التماس.

في المقابل، أعلن الجيش السوداني أن قواته، مدعومة بتشكيلات مساندة، قامت بتمشيط ثلاثة محاور قتال حول مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، في محاولة لاحتواء التمدد الميداني للدعم السريع ومنع اختراقات جديدة.

كردفان.. عقدة الجغرافيا والثروة

تكتسب كردفان أهمية استراتيجية مضاعفة في سياق الحرب الدائرة، إذ تضم ثلاث ولايات غنية بالنفط والذهب والأراضي الزراعية، فضلًا عن كونها حلقة وصل جغرافية بين مناطق سيطرة الجيش في الشمال والشرق والوسط، وإقليم دارفور الذي تسيطر عليه ميليشيا الدعم السريع منذ نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي. السيطرة أو زعزعة الاستقرار في كردفان تعني عمليًا خنق خطوط الإمداد وفتح ممرات جديدة للميليشيا نحو عمق السودان.

هجوم موثق على مستشفى

الأخطر في هذا التصعيد هو ما كشفته صور أقمار صناعية التُقطت في 11 و14 ديسمبر/كانون الأول الجاري، وأظهرت أضرارًا واضحة لحقت بمستشفى الدلنج العسكري بولاية جنوب كردفان. ووفق بيان صادر عن شبكة أطباء السودان، كشفت الصور عن نقطتي استهداف داخل حرم المستشفى، ما يؤكد تعرضه لقصف مباشر نفذته ميليشيا الدعم السريع.

وبحسب الشبكة، أسفر الهجوم الذي وقع الأحد الماضي عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 17 آخرين، بينهم أفراد من الكادر الطبي، إلى جانب أضرار لحقت بمواقع مدنية في منطقتي الكرقل والسماسم جنوب مدينة الدلنج. ويعد هذا الهجوم انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المنشآت الطبية والعاملين فيها.

قلق أممي وتحذيرات دولية

من جهته، أعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” عن قلقه البالغ إزاء الهجوم على المستشفى، مشيرًا إلى مقتل ما لا يقل عن 6 أشخاص وإصابة 12 آخرين، بينهم عاملون في المجال الطبي، وفق معلومات أولية. وأكد المكتب أن استهداف المرافق الصحية يفاقم الأزمة الإنسانية ويقوض قدرة السكان على الحصول على الحد الأدنى من الرعاية الطبية، في ظل نظام صحي شبه منهار أساسًا بسبب الحرب.

الدعم الخارجي في قلب الاتهام

في خلفية هذا التصعيد، تتجدد الاتهامات الموجهة إلى دولة الإمارات بلعب دور محوري في دعم ميليشيا الدعم السريع، سواء عبر الإمداد بالسلاح أو الغطاء السياسي واللوجستي. ويرى مراقبون أن استخدام المسيّرات وتطور قدرات الميليشيا العسكرية لا يمكن فصله عن شبكات دعم إقليمية، تتصدرها أبوظبي، التي وُجهت إليها مرارًا اتهامات بتأجيج الصراع السوداني خدمة لمصالحها في الذهب والموانئ والنفوذ الجيوسياسي.

محاولات ضبط الأمن في الخرطوم

بالتوازي مع تطورات كردفان، أصدرت لجنة أمنية بمحافظة الخرطوم حزمة قرارات تهدف إلى ضبط الأمن وفرض “هيبة الدولة”، تشمل إزالة المظاهر المسلحة وتشجيع العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم. غير أن هذه الإجراءات تبدو محدودة الأثر في ظل استمرار الحرب واتساع رقعة الانتهاكات، لا سيما مع انتقال القتال إلى أقاليم جديدة.

خلاصة المشهد

ما يجري في كردفان اليوم يتجاوز كونه معركة عسكرية، ليشكل اختبارًا أخلاقيًا وقانونيًا للمجتمع الدولي. فاستهداف المستشفيات، وترويع المدنيين، واستخدام المسيّرات ضد مناطق مأهولة، كلها مؤشرات على حرب بلا خطوط حمراء، تقودها ميليشيا مدعومة خارجيًا. وفي ظل صمت دولي متردد، يبقى المدني السوداني هو الضحية الأولى، فيما تتعمق فصول مأساة تبدو بعيدة عن أي أفق قريب للحل.

اقرأ أيضا : رغم محاولات الاحتلال.. الجنائية الدولية تتحدى الضغوط وتُبقي ملف غزة مفتوحًا