بعد مرور أكثر من عام على انتهاء الحرب على الجبهة الشمالية، لا تزال مستوطنات شمال فلسطين المحتلة تعيش واقعًا أقرب إلى ما بعد الكارثة، في مشهد يناقض كليًا الخطاب الرسمي الذي روّج لـ«نصر عسكري» و«استعادة الردع». وتبرز مستوطنة كريات شمونة كأوضح مثال على هذا الفشل، إذ ما زالت مبانيها المتضررة بفعل الصواريخ دون ترميم، فيما يرفض آلاف المستوطنين العودة إليها، وسط شعور عميق بالإهمال والتخلي من قبل حكومة الاحتلال.

المدينة التي كانت تُقدَّم باعتبارها “بوابة الشمال” تحولت إلى مساحة شبه فارغة، شوارعها صامتة، خدماتها محدودة، وحياتها اليومية شبه مشلولة. هذا الواقع فجّر موجة غضب داخل الأوساط الاستيطانية نفسها، التي بدأت تدرك أن نهاية الحرب لم تعنِ نهاية الخطر، ولا بداية التعافي.

إنجازات عسكرية بلا عائد مدني

الكاتب الإسرائيلي آفي شيلون وصف قصة كريات شمونة بأنها «كئيبة»، معتبرًا أنها تختصر حقيقة ما آلت إليه الحرب برمّتها. فمن جهة، يتحدث الخطاب الرسمي عن إنجازات عسكرية وترتيبات أمنية ومبادرات سياسية يُفترض أن تجلب مستقبلًا أفضل، لكن من جهة أخرى، تصطدم هذه الرواية بواقع ميداني بائس، حيث لم يعد معظم المستوطنين إلى بيوتهم، وتكافح المدينة بالكاد للحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر الحياة.

ويشير شيلون إلى مفارقة لافتة: مستوطنة تملك إمكانات كبيرة، وكان يمكن أن تكون مركزًا رئيسيًا للكيبوتسات والمستوطنات الشمالية، لكنها تُدار بتراخٍ حكومي واضح، دون رؤية حقيقية لإعادة الإعمار أو إنعاش الاقتصاد المحلي. فالمدينة التي خرجت من الحرب مثقلة بالخسائر، تُركت تواجه مصيرها وحدها.

حياة يومية مشلولة وغياب أبسط الخدمات

الإهمال لا يقتصر على الترميم أو التعويضات، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فحتى العثور على مقهى مفتوح مساءً في كريات شمونة بات أمرًا صعبًا، في مؤشر رمزي على حجم الشلل الذي تعيشه المدينة. هذا الواقع يعكس فجوة عميقة بين وعود الحكومة بإعادة الأمن والهدوء، وبين حقيقة أن الأمن وحده، حتى لو تحقق، لا يكفي لإعادة الناس إلى بيوت مهجورة ومدن بلا روح.

السياسة الحكومية، وفق القراءة الإسرائيلية نفسها، لا تزال أسيرة المقاربة العسكرية، مركزة على “الردع” و”الجبهة الشمالية”، دون أن تترجم هذه الشعارات إلى مشاريع مدنية أو اقتصادية تعيد الثقة للمستوطنين وتمنحهم سببًا حقيقيًا للعودة.

غياب الأفق السياسي واستمرار القلق

رغم إقرار شيلون بأن الحرب أضعفت حزب الله بشكل كبير، إلا أنه يؤكد أن الشعور الحقيقي بالأمن لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها. ما يحتاجه مستوطنو الشمال، بحسب هذا الطرح، هو اتفاقيات سياسية تترجم الإنجازات العسكرية إلى واقع مستقر. غير أن حكومة الاحتلال، بدلًا من فتح أفق تفاوضي، تواصل رفض أي مسار سياسي، حتى في ظل محاولات لبنانية معلنة للوصول إلى ترتيبات تقلل من احتمالات المواجهة.

هذا الإصرار على إدارة الوضع بالقوة فقط، دون البحث عن حلول وسط أو مبادرات سياسية، يعمّق الشعور بانعدام اليقين لدى سكان الشمال، الذين يدركون أن أي جولة قتال جديدة قد تعيدهم إلى نقطة الصفر، أو أسوأ منها.

تهميش الأطراف لصالح المركز

أحد أكثر مظاهر الإهمال استفزازًا، وفق المقال، يتمثل في البنية التحتية. فالرحلة من كريات شمونة إلى تل أبيب تستغرق ساعتين ونصف بالسيارة، ومع ذلك لا يوجد حتى الآن خط قطار يربطها بالمركز. مشاريع القطار لا تزال حبيسة اللافتات والوعود، رغم صغر مساحة الدولة وسهولة تقليص الفجوات بين المركز والأطراف نظريًا.

هذا الواقع يعزز شعور المستوطنين بأن الشمال يُعامل كمجرد منطقة عازلة أو هامش أمني، لا كمساحة حياة متكاملة تستحق الاستثمار والرعاية. الإهمال هنا ليس فقط ماليًا، بل أيديولوجي أيضًا، يعكس رؤية ترى في الأطراف عبئًا لا أولوية.

نهاية حرب لم تنتهِ آثارها

تكشف تجربة كريات شمونة والمستوطنات الشمالية أن الحرب، وإن توقفت عسكريًا، لم تنتهِ فعليًا. آثارها لا تزال حاضرة في البيوت المدمرة، والحرائق التي لم تُمحَ آثارها، والحياة المشلولة، والشعور المتزايد بالهجران. محاولات المستوطنين إنقاذ ما تبقى من ممتلكاتهم تصطدم مرة أخرى بنفس الجدار: حكومة غائبة، ووعود بلا تنفيذ.

في المحصلة، يظهر الشمال المحتل اليوم كمساحة مكشوفة سياسيًا واجتماعيًا، تعكس فشل منظومة كاملة في تحويل القوة العسكرية إلى استقرار دائم. ومع استمرار هذا الإهمال، تتسع الفجوة بين المركز والأطراف، ويتحوّل “الانتصار” المعلن إلى عبء ثقيل، يدفع ثمنه المستوطنون أنفسهم، بعد عام كامل من انتهاء حرب لم تُغلق ملفاتها بعد.

اقرا أيضا : ألبانيزي: إجرام السيسي يُموّل إبادة غزة عبر صفقة الغاز