في 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، كسر السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور صمتًا طويلًا حين خرج بتصريحات علنية تحدث فيها عن شبهات فساد وإهدار مال عام رافقت بيع مبنى منظمة التحرير الفلسطينية في كورنيش المزرعة ببيروت والأرض المحيطة به. لم تكن كلماته توصيفًا عامًا، بل رواية مباشرة قال فيها إنه عُرض عليه مبلغ 500 ألف دولار بوصفه “عربون تقدير” بعد إنجاز الصفقة، متسائلًا علنًا عن مصدر المال، وعن سبب تقديمه، وعن غياب أي إعلان رسمي يوضح قيمة البيع أو الجهة المستفيدة أو مكان إيداع العائدات. بهذه الشهادة، انتقل الملف من خانة التسريبات والتكهنات إلى مربع الاتهام العلني من داخل المؤسسة نفسها.

خروج دبور لم يكن معزولًا عن سياق سياسي وتنظيمي أوسع. قبل أشهر، وتحديدًا في يوليو/تموز 2025، كان قد أُعفي من مهامه كنائب للمشرف العام على الساحة الفلسطينية في لبنان ونُقل سفيرًا إلى سلطنة عُمان، في تغييرات وُصفت داخل أوساط فتح بأنها “انقلاب أبيض” لإحكام السيطرة على مفاصل القرار في لبنان. اليوم، تبدو تلك الإقالة جزءًا من صراع أعمق على ملف الأملاك: من يديرها؟ ومن يبيعها؟ ومن يقرر مصيرها؟

مبنى المزرعة: صفقة بلا إعلان

مبنى منظمة التحرير في كورنيش المزرعة ليس عقارًا عاديًا. لعقود، كان مقرًا إداريًا ورمزًا لحضور سياسي فلسطيني في العاصمة اللبنانية. وفق المعلومات التي كُشفت تباعًا خلال 2023، جرى بيع المبنى والأرض المحيطة به بصمت كامل إلى جهات لبنانية بمبالغ قُدرت بعشرات ملايين الدولارات، دون بيان رسمي من الرئاسة الفلسطينية أو منظمة التحرير. لاحقًا، تبيّن أن أحد الأسماء التي كانت مسجلة قانونيًا على العقار حصل على 120 ألف دولار مقابل التنازل ضمن ترتيبات البيع، ما أعاد إلى الواجهة الإشكالية القديمة: تسجيل أملاك عامة بأسماء أفراد، ثم “شراء” تنازلهم لاحقًا.

الأكثر من هذا أن جزءًا من عائدات البيع استُخدم – بحسب تقديرات متداولة – لشراء المقر الجديد لسفارة فلسطين في بيروت بمنطقة بئر حسن، في عملية تبادل أصول تفتقر إلى الشفافية. تقديرات غير رسمية تحدثت عن نحو 60 مليون دولار دارت بين بيع وشراء واستثمارات مرتبطة بهذا الملف. لم تُنشر عقود، ولم يُعلن رقم نهائي، ولم تُقدَّم أي وثيقة محاسبية للشعب الفلسطيني صاحب الملكية الأصلية.

صفقة الأرض المقابلة للسفارة الإماراتية: بداية الانكشاف

قبل عقد تقريبًا، وتحديدًا في 2014، انفجر أول لغم كبير في هذا الملف حين كشف ضابط المخابرات الفلسطينية السابق فهمي شبانة تفاصيل بيع قطعة أرض كبيرة مقابلة للسفارة الإماراتية في بيروت، تبلغ مساحتها نحو 22 دونمًا. قال شبانة إن الأرض بيعت بحوالي 168 مليون دولار، لكن ما وصل إلى الصندوق القومي الفلسطيني كان “جزءًا بسيطًا”، بينما ذهب النصيب الأكبر – بحسب روايته – إلى حسابات خاصة مرتبطة بـياسر محمود عباس، نجل الرئيس. الاتهام كان صريحًا، والأرقام محددة، لكن الرد الرسمي غاب. لم يُفتح تحقيق معلن، ولم تُنشر مستندات تفنيد، وبقيت الصفقة علامة فارقة على نمط سيُعاد إنتاجه لاحقًا.

لجنة الحصر: السلطة بيد العائلة

للعودة إلى الجذور، لا بد من التوقف عند قرار تشكيل لجنة رئاسية لحصر أملاك منظمة التحرير وحركة فتح في لبنان. في سياق إعادة ضبط الأصول بعد رحيل ياسر عرفات عام 2004، سعى الرئيس محمود عباس إلى جمع ملفات الأملاك التي كانت بيد فاروق القدومي، المسؤول التاريخي عن هذا الملف. جرى تسليم الوثائق لعباس شخصيًا في عمّان بحضور محاميه الخاص، لتنتقل إدارة “كنز العقارات” إلى دائرة ضيقة.

رئاسة اللجنة أُسندت إلى ياسر محمود عباس، رغم عدم تمتعه بمنصب رسمي في المنظمة. ضمت اللجنة أسماء مقربة: رمزي خوري رئيس الصندوق القومي الفلسطيني، مصطفى أبو الرب المستشار المالي، وعلام الأحمد المستشار القانوني وشقيق عزام الأحمد. هذه التوليفة لم تكن تفصيلًا إداريًا؛ بل عكست تمركز القرار المالي في حلقة عائلية–تنظيمية واحدة.

وفق المعطيات، بلغ عدد العقارات التي جرى حصرها وتصفيتها نحو 2000 عقار موزعة بين بيروت وضواحيها وجنوب لبنان. شملت أراضي فضاء ومبانٍ ومكاتب ومقار فصائل وحتى أحياء سكنية كاملة. آلية العمل كانت واضحة: جمع تواقيع تنازل من الأسماء المسجلة تاريخيًا مقابل مبالغ مالية، ثم تثبيت الملكية تمهيدًا للبيع أو الاستثمار. المشكلة لم تكن في الحصر بحد ذاته، بل في غياب أي تقرير علني يوضح ما حُصر وما بيع وما أودِع في الخزينة.

عزام الأحمد وشبكة النفوذ

اسم عزام الأحمد حضر في هذا الملف بطرق متعددة. فهو لم يُعيَّن رسميًا في لجنة الأملاك، لكن شقيقه علام الأحمد تولى الجوانب القانونية لعمليات نقل الملكية. وثائق وتسريبات تحدثت عن امتلاك عزام عقارات في لبنان بالشراكة أحيانًا مع أبناء عباس، وعن استفادته من ضعف الرقابة خلال توليه ملفات خارجية سابقة. أحد القياديين لخّص الأمر بمرارة: “جيئوا بعزام الأحمد ومحاميَه، تعرفوا أين ذهبت الأملاك”.

في 2012، نشر موقع استقصائي تفاصيل إنشاء شركة وهمية في بيروت باسم “اللؤلؤة للإنماء” سُجلت في 15 مايو/أيار 2009. ترأسها مدير لبناني، وكان وكيلها محاميًا محليًا، فيما ارتبطت بعائلة خوري المقربة من أبناء عباس. بحسب التحقيق، استُخدمت الشركة لتسجيل أراضٍ تابعة للمنظمة باسمها تمهيدًا لبيعها. إحدى الوثائق أظهرت شراء أراضٍ في المصيطبة بقيمة 2 مليون دولار؛ حصل الاسم المسجل على 650 ألف دولار فقط، بينما اختفى 1.35 مليون دولار دون أثر. الاتهام وُصف صراحة بأنه سرقة منظمة، وسُمّيت الأسماء، لكن المساءلة لم تأتِ.

بعيدًا عن لبنان، يظل مبنى بعثة منظمة التحرير في لندن – هامرسميث حاضرًا بوصفه رمزًا. وُصف تاريخيًا بأنه “أول بيت لفلسطين خارج الجغرافيا”، وارتفع فوقه علم فلسطين رسميًا عام 2011 بعد اعتراف بريطاني بمكانته كسفارة. حتى الآن، لا توجد أدلة على بيعه، لكن إدراجه في النقاش العام جاء تحذيرًا: إذا كانت أملاك بيروت تُصفّى بلا شفافية، فما الذي يحمي الذاكرة في العواصم الأخرى؟

غياب المحاسبة… وتسييس الصمت

منذ 2010 حتى اليوم، توالت الشهادات من داخل فتح وخارجها: عدلي صادق لوّح باللجوء إلى القضاء، سميح خلف حذّر من التفريط برأس المال الوطني، وخبراء قانونيون ذكّروا بأن القانون الفلسطيني يمنع بيع الأموال العامة دون مسوغ. لكن المجلس التشريعي محلول منذ 2018، وهيئات الرقابة معطلة، والصمت الرسمي سيد الموقف.

النتيجة ليست مالية فقط. بيع الأملاك يعني تفكيك ركائز الوجود الفلسطيني في لبنان في بلد هش أصلًا، يصبح الفلسطيني فردًا بلا غطاء اقتصادي أو رمزي. لهذا يمكن القول بأن ما يجري مربوط بمحاولات تصفية الوجود وتذويب قضية اللاجئين، لا عبر قرار واحد، بل عبر سلسلة صفقات.

ما كشفه أشرف دبور في ديسمبر 2025 أعاد فتح ملف حاولت القيادة إغلاقه بالصمت. السؤال لم يعد: هل بيعت أملاك؟ بل: من قرر البيع؟ وبأي حق؟ وأين ذهبت العائدات؟ بين صفقة الأرض المقابلة للسفارة الإماراتية، ومبنى كورنيش المزرعة، وشركة اللؤلؤة، يتكرر النمط نفسه: أصول عامة تُدار بقرارات خاصة.