في مشهد يلخّص مأساة غزة كما يختصر قدرتها المذهلة على الصمود، تحوّلت الخيام القماشية المنتشرة بين أنقاض الأحياء المدمرة إلى فصول دراسية بديلة، أعادت شيئًا من الحياة إلى قطاع تعليمي دمّرته آلة الحرب الإسرائيلية عمدًا.
فبين الركام والغبار، يجلس آلاف الطلبة الفلسطينيين على مقاعد بدائية داخل خيام مهترئة، متحدّين سياسة الإبادة والتجهيل التي مارسها الاحتلال بحق جيل كامل.
حرب الإبادة الجماعية التي شنّتها قوات الاحتلال على قطاع غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم تكتفِ باستهداف البشر والمنازل، بل جعلت من المدارس والجامعات هدفًا مباشرًا، في محاولة واضحة لكسر المستقبل الفلسطيني.
فوفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ووزارة التربية والتعليم الفلسطينية، فإن أكثر من 93% من مدارس القطاع تعرّضت لتدمير كلي أو جزئي، بينما تحوّل ما تبقى منها إلى مراكز إيواء للنازحين، بعد أن دُمّرت بيوتهم.

التعليم تحت القصف
هذا الدمار الممنهج لم يكن عرضيًا، بل جاء ضمن سياسة تستهدف محو البنية المعرفية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني. فالمؤسسات التعليمية التي كانت يومًا منارات للعلم، أُحيلت إلى أكوام من الركام، وطُمس معها حلم أكثر من 700 ألف طالب وطالبة حُرموا من الانتظام على مقاعد الدراسة لأكثر من عامين.
لكن، وكما في كل محطات الصراع، رفض الفلسطينيون الاستسلام. فمن رحم الكارثة، انطلقت مبادرات شعبية وأهلية لإعادة إحياء العملية التعليمية، ولو بأبسط الإمكانيات. وكانت “مدارس الخيام” أحد أبرز تجليات هذا التحدي، حيث بادر أكاديميون ومعلمون إلى إنشاء فصول دراسية مؤقتة داخل خيام، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل الأطفال.
مبادرات أهلية تكسر العتمة
من بين هذه المبادرات، تبرز تجربة “مدرسة العودة”، التي أُقيمت في مجمع خيام بحي تل الهوى جنوب مدينة غزة. هذه المدرسة لم تولد بدعم دولي أو تمويل مؤسسي، بل بجهود ذاتية قادها الأكاديمي نهاد بدرية، مساعد رئيس جامعة فلسطين وعميد كلية التربية سابقًا، إلى جانب مجموعة من الكوادر التعليمية التي قررت أن التعليم لا يمكن أن ينتظر نهاية الحرب.
يقول بدرية إن فكرة “مدارس الخيام” انتشرت على نطاق واسع لغياب أي بديل حقيقي، بعدما دمّر الاحتلال أكثر من 577 مدرسة، بينها 111 مدرسة دُمّرت تدميرًا كليًا. هذا الواقع، وفق بدرية، يعني حرمان مئات الآلاف من الطلبة من حقهم الأساسي في التعليم، وتحويل المدارس المتضررة إلى ملاجئ قسرية للنازحين.
انطلاقة تحت النار
ورغم القصف والرصاص وهدير الطائرات، لم ينتظر القائمون على المبادرة وقف إطلاق النار. ففي نيسان/ أبريل 2024، أُطلقت أول نسخة من “مدرسة العودة” في مواصي رفح، أقصى جنوب القطاع، في ظروف بالغة الخطورة. هناك، انتظم نحو 1700 طالب وطالبة في صفوف مؤقتة، قبل أن تضطر المدرسة إلى الانتقال لاحقًا إلى دير البلح، إثر الاجتياح الإسرائيلي، حيث واصلت تقديم التعليم لأكثر من 1800 طالب من الصف الأول الابتدائي حتى الثانوية العامة.
ومع سريان وقف إطلاق النار في شباط/ فبراير الماضي، وعودة آلاف المهجّرين إلى شمال القطاع، انتقلت التجربة إلى مدينة غزة، وتحديدًا حي تل الهوى. اليوم، يتلقى نحو 1750 طالبًا وطالبة تعليمهم داخل خيام، في مشهد يجسّد إرادة الحياة في مواجهة الموت.
تعليم بلا رواتب… ورسالة بلا مقابل
ورغم ضخامة الجهد، يعمل الكادر التعليمي، الذي يضم نحو ثلاثين معلمًا ومعلمة، دون رواتب أو مكافآت مالية. كل ما يحصلون عليه هو مساعدات عينية محدودة من طرود غذائية وسلال إغاثية. ومع ذلك، يواصلون التدريس يوميًا، مدفوعين بإيمانهم برسالة التعليم، وبأن إنقاذ هذا الجيل واجب أخلاقي ووطني.
بدرية يؤكد أن هذه المبادرات، رغم محدوديتها، تسهم في تخفيف حدّة الانهيار التعليمي، وتعيد الاعتبار للتعليم كحق أساسي لا يسقط بالحرب. كما دعا المؤسسات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها، ومدّ جسور التعاون مع القطاعين التعليمي والصحي في غزة، باعتبارهما الأكثر تضررًا وحيوية في آن واحد.
صمود في وجه الإجرام
ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد تجربة تعليمية بديلة، بل فعل مقاومة مدنية في وجه إجرام الاحتلال. فمدارس الخيام ليست حلًا دائمًا، لكنها رسالة واضحة: أن الاحتلال، مهما دمّر وقتل، لن ينجح في قتل الوعي الفلسطيني أو اقتلاع حقه في التعلم. في غزة، حيث يُراد للمستقبل أن يُدفن تحت الركام، ينهض التعليم من خيمة، شاهدًا على صمود شعب يصرّ على الحياة.
اقرأ أيضا : إسرائيل تصنع دولة جديدة في أفريقيا: اعتراف رسمي بأرض الصومال وسط رفض عربي وتركي وأفريقي