أثارت حملة الاعتقالات التي نفذتها السلطات الإيطالية، مساء السبت، بحق 9 أشخاص يعملون في جمعيات خيرية مقرها إيطاليا، بزعم تمويل حركة المقاومة الإسلامية حركة حماس، موجة واسعة من الجدل داخل البلاد وخارجها، وسط اتهامات للحكومة اليمينية برئاسة جورجا ميلوني بالانخراط الكامل في الأجندة الإسرائيلية، وتوظيف الحرب على غزة لتجريم التضامن مع الفلسطينيين في أوروبا.
وبحسب الادعاء العام في مدينة جنوة شمالي إيطاليا، فإن المعتقلين متهمون بتحويل أموال إلى جمعيات يُزعم ارتباطها بحماس، المصنفة “منظمة إرهابية” لدى الاتحاد الأوروبي. وذكرت الشرطة الإيطالية أنها صادرت أصولًا بملايين الدولارات، بعد تحقيقات بدأت برصد “معاملات مالية مشبوهة”، قبل توسيعها بالتعاون مع دول أوروبية أخرى وبالتنسيق مع الهيئة القضائية الأوروبية يوروجاست.
ومن بين المعتقلين شخصيات معروفة في أوساط الجالية الفلسطينية، أبرزهم رئيس جمعية الفلسطينيين في إيطاليا محمد حنون، إلى جانب رائد داوود، ورائد صلاحات، وأبو عمر الحلو، وعادل أبو رواع، ورياض البستنجي، وياسر العسالي، وخليل أبو دية، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيطالية.

سياق سياسي لا قضائي
رغم الصيغة القانونية التي قُدمت بها العملية، فإن توقيتها وسياقها السياسي يفتحان الباب واسعًا للتشكيك. فالحملة جاءت في ذروة العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، وفي وقت صعّدت فيه حكومة ميلوني من خطابها الداعم لإسرائيل سياسيًا وإعلاميًا، متجاهلة حجم الجرائم والانتهاكات التي وثقتها منظمات دولية بحق المدنيين الفلسطينيين.
ولم تُخفِ ميلوني هذا التوجه، إذ سارعت إلى شكر الأجهزة الأمنية والقضائية على “عملية بالغة التعقيد والأهمية”، معتبرة أنها كشفت تمويل حماس عبر “ما يُسمّى بالمنظمات الخيرية”. هذا التصريح عكس بوضوح تبنّي الرواية الإسرائيلية، التي طالما سعت إلى ربط العمل الإنساني الفلسطيني بالإرهاب، في محاولة لتجفيف أي مصادر دعم للفلسطينيين داخل أوروبا.
حكومة يمينية وتحالف مع الاحتلال
وتُعد حكومة ميلوني الأكثر يمينية في تاريخ إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية، إذ تستند أيديولوجيًا إلى خطاب قومي متشدد، وسياسات صارمة تجاه الهجرة، وتبنٍّ متزايد لأجندات اليمين الشعبوي الأوروبي. وفي هذا الإطار، شكّل موقفها من الاحتلال الإسرائيلي قطيعة مع تقاليد سابقة داخل اليمين الإيطالي، حيث تحوّلت روما في عهد ميلوني إلى أحد أبرز الداعمين الأوروبيين لإسرائيل سياسيًا وأمنيًا.
هذا التحول لم يمر دون رد فعل داخلي، إذ شهدت المدن الإيطالية خلال الأشهر الماضية احتجاجات شعبية واسعة رفضًا للدعم الحكومي لإسرائيل، ورفضًا لتواطؤ الغرب مع الحرب على غزة. ويرى مراقبون أن حملة الاعتقالات الأخيرة تأتي في سياق أوسع يهدف إلى كبح هذه الموجة التضامنية، وتجريم النشطاء الفلسطينيين ومناصريهم.
اعتراضات وتحذيرات حقوقية
من جهتها، عبّرت مؤسسة مؤتمر فلسطينيي أوروبا عن “قلق واستغراب بالغين” إزاء الاعتقالات، معتبرة أنها تستند إلى “ادعاءات إسرائيلية باطلة” تهدف إلى التغطية على الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في غزة منذ أكثر من عامين. وأكدت المؤسسة أن ما جرى ينسجم مع مخطط إسرائيلي أوسع لخنق الحقيقة وكبت أصوات الحرية داخل القارة الأوروبية.
وطالبت المؤسسة السلطات الإيطالية بعدم الانسياق وراء هذا المخطط، والإفراج الفوري عن المعتقلين، بوصفهم “مواطنين أوروبيين لهم الحق في التعبير عن آرائهم ومناصرة القضايا العادلة، ومنها فلسطين، بكافة الوسائل التي تكفلها القوانين الدولية”.
سوابق أوروبية فاشلة
ولا تُعدّ الحالة الإيطالية الأولى من نوعها في أوروبا. ففي النمسا عام 2020، شنت السلطات حملة واسعة ضد ما وصفته بـ”الإرهاب”، شملت عشرات الأشخاص بتهم تمويل حماس وغسيل الأموال، قبل أن يُسقط القضاء لاحقًا التهم لعدم كفاية الأدلة، ويصف المداهمات بأنها غير قانونية.
وفي ألمانيا، شكّلت قضية منظمة “الأقصى” نموذجًا مشابهًا، إذ تبيّن لاحقًا أن الأموال التي جرى تجميدها لم تُستخدم لأي أنشطة عسكرية، بل لمشاريع اجتماعية وصحية. أما في بريطانيا، فقد انتهت تحقيقات متكررة ضد “صندوق الإغاثة والمساعدات الفلسطيني” إلى تبرئته، بل وإدانة الجهات التي روّجت للاتهامات بتهم التشهير.
ما وراء الاتهامات
تكشف هذه السوابق أن اتهام الجمعيات الخيرية بتمويل “الإرهاب” غالبًا ما يكون أداة سياسية أكثر منه مسارًا قضائيًا راسخًا. وفي الحالة الإيطالية، يخشى حقوقيون من أن تتحول المحاكم إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، وأن يُستخدم القانون لتكميم أفواه المتضامنين مع فلسطين.
وفي ظل الدعم غير المشروط الذي تقدمه حكومة ميلوني للاحتلال، تبدو الاعتقالات الأخيرة حلقة جديدة في سلسلة تضييق متصاعدة على العمل الخيري والنشاط السياسي الفلسطيني في أوروبا، بما يعكس انتقال الحرب على غزة من ميدانها العسكري إلى فضاء الحريات وحقوق الإنسان داخل العواصم الأوروبية نفسها.
اقرأ أيضًا : غارات إسرائيلية وقصف واسع على مختلف أنحاء قطاع غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار