في خطوة تكشف بوضوح سقوط ما تبقّى من ادعاءات “الاستقلال الأكاديمي” في الجامعات الأميركية، أقدمت جامعة جورج تاون على قطع علاقتها مع المقررة الأممية المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، وأزالت اسمها وصورتها من قوائم الباحثين المنتسبين لمعهد دراسات الهجرة الدولية التابع لها، في تصرف أقرب إلى الإعدام المعنوي الصامت، لا إلى قرار أكاديمي يستند إلى معايير مهنية أو علمية.

القرار، الذي كُشف عنه عبر منظمة رقابية أممية مقرها جنيف، لم يُرفق بأي بيان توضيحي من الجامعة، ولم يُقدَّم له أي مبرر علمي أو إداري، ما يؤكد أن ما جرى ليس سوى رضوخ فجّ لضغوط سياسية أميركية وإسرائيلية، وعقاب مباشر لباحثة أممية “تجرأت” على توثيق جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في هذا السياق.

جامعة بلا شجاعة أكاديمية

حتى وقت قريب، كانت جورج تاون تُعرّف ألبانيزي على موقعها الرسمي باعتبارها “محامية وباحثة دولية ومؤلفة لعدة منشورات حول قضية اللاجئين الفلسطينيين”، وكانت تتصدر قائمة الباحثين المنتسبين لمعهد دراسات الهجرة الدولية. لكن فجأة، وبلا مقدمات، اختفى الاسم، وحُذفت السيرة الذاتية، وأُزيلت الصورة، في مشهد يفضح الطريقة التي تتعامل بها الجامعة مع باحثيها: ليس وفق القيمة العلمية، بل وفق “مدى الإزعاج السياسي” الذي قد يسببه وجودهم.

هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه تنكيل أكاديمي مقنّع، ومحاولة رخيصة لغسل اليدين من باحثة أصبحت عبئًا سياسيًا على مؤسسة اختارت أن تكون “آمنة” سياسيًا، حتى لو كان الثمن هو التخلي عن أبسط مبادئ الحرية الأكاديمية.

الخضوع للعقوبات الأميركية

ألقت ألبانيزي باللوم صراحة على العقوبات الأميركية التي فُرضت عليها في يوليو/تموز الماضي بسبب دورها في توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، وقالت إن ما حدث “خذلان كبير”، مؤكدة أنها كانت مرتبطة بجامعة أميركية وتُلقي محاضرات فيها قبل أن يُقطع كل شيء فجأة. وفي مقابلة لاحقة، شددت على أنها “تعرضت للعقاب لمجرد قيامها بعملها”.

لكن الأخطر هنا ليس العقوبات بحد ذاتها، بل سرعة استجابة جامعة جورج تاون لها، وكأنها مؤسسة حكومية لا جامعة بحثية. فبدل أن تدافع عن باحثة أممية تعمل ضمن تفويض رسمي من الأمم المتحدة، اختارت الجامعة الاصطفاف مع سياسة الترهيب الأميركية، مقدّمة نموذجًا صارخًا لجامعة تُدار بعقلية “تجنّب المشاكل”، لا بعقلية الدفاع عن الحقيقة.

ارتباط بنيوي بالاحتلال

قرار جورج تاون لا يمكن فصله عن شبكة العلاقات العميقة التي تربط الجامعات الأميركية الكبرى بمؤسسات داعمة لإسرائيل، سواء عبر التمويل أو الشراكات البحثية أو النفوذ السياسي. هذه العلاقات تجعل أي نقد جدي للاحتلال بمثابة “خط أحمر”، وتحوّل الجامعات إلى فضاءات خاضعة عمليًا لإملاءات اللوبيات، لا لمعايير البحث الحر.

وفي هذا السياق، يصبح اتهام ألبانيزي بـ“معاداة السامية” – كما فعل مسؤولون أميركيون من بينهم ماركو روبيو – أداة جاهزة لإسكات أي صوت حقوقي، وتبرير إقصائه من المنصات الأكاديمية، حتى لو كان يستند إلى القانون الدولي ووثائق رسمية.

رسالة ترهيب للباحثين

ما فعلته جورج تاون لا يقتصر أثره على ألبانيزي وحدها، بل يبعث برسالة ترهيب واضحة لكل باحث أو أكاديمي يفكر في الاقتراب من ملف فلسطين: “الالتزام بالصمت هو شرط البقاء”. فحين ترى جامعة عريقة تتخلى بهذه السهولة عن باحثة أممية، فإن ذلك يدفع آخرين إلى الرقابة الذاتية، خوفًا من العزل أو التشهير أو فقدان مواقعهم الأكاديمية.

سقوط القناع

في المحصلة، لم تعد جامعة جورج تاون قادرة على تسويق نفسها كمنصة للتعددية الفكرية أو النقاش الحر. قرارها الأخير يكشفها كمؤسسة خاضعة، تفضّل الانبطاح السياسي على المواجهة الأخلاقية، وتختار حماية علاقاتها ونفوذها على حساب الحقيقة وحقوق الإنسان.

إنه قرار يضع جورج تاون في خانة الجامعات التي لم تكتفِ بالصمت على جرائم الاحتلال، بل شاركت – بالفعل لا بالقول – في معاقبة من يفضحها. ومع كل اسم يُحذف، وكل باحث يُقصى، يتآكل ما تبقى من وهم “الجامعة الحرة”، ليظهر الواقع عاريًا: المعرفة في الغرب ليست حرة، حين تتعارض مع مصالح الاحتلال.

اقرأ أيضًا : اغتصاب داخل السجون الإسرائيلية… شهادة صحفية ألمانية تكسر جدار الصمت