حذّرت منظمة أطباء بلا حدود من أن استمرار القرار الإسرائيلي بحظر أنشطتها في قطاع غزة قد يدفعها إلى إنهاء عملياتها الإنسانية خلال شهر مارس/آذار المقبل، في خطوة تمثل تصعيدًا خطيرًا في سياسة خنق العمل الإغاثي واستهداف الجهات التي توثّق الجرائم المرتكبة بحق المدنيين. وجاء التحذير على لسان رئيسة المنظمة إيزابيل دوفورني التي وصفت القرار بأنه «تجاوز فاضح» للقانون الإنساني الدولي.

تشريع إسرائيلي لتجريم الإغاثة
القرار الإسرائيلي لا يستهدف “أطباء بلا حدود” وحدها، بل يشمل 36 منظمة إنسانية دولية أخرى، بذريعة عدم تزويد السلطات بقوائم أسماء الموظفين الفلسطينيين العاملين لديها، وفق تشريع جديد فرضته إسرائيل. ورغم أن تسجيل الموظفين كان ساريًا وانتهت صلاحيته في ديسمبر/كانون الأول 2025، فإن إسرائيل امتنعت عن تجديده، لتحوّل الإجراءات الإدارية إلى أداة عقاب جماعي تُستخدم لإقصاء المنظمات الإنسانية من غزة.
منظومة صحية على حافة الانهيار
تعمل “أطباء بلا حدود” في قطاع غزة عبر نحو 40 موظفًا دوليًا، وبالتعاون مع قرابة 800 موظف فلسطيني موزعين على 8 مستشفيات ومرافق طبية. وتؤكد المنظمة أن بعض موظفيها الدوليين تمكنوا خلال الأيام الماضية من دخول القطاع، إلا أن هذا الوجود بات مهددًا في أي لحظة، ما يضع استمرار الخدمات الطبية تحت رحمة قرار سياسي لا علاقة له بالاحتياجات الإنسانية العاجلة.
دور حيوي في إنقاذ الأرواح
تشير المنظمة إلى أنها ثاني أكبر موزع للمياه في قطاع غزة، وفي عام 2025 وحده عالجت أكثر من 100 ألف مصاب بحروق وإصابات ناجمة عن القصف، كما جاءت في المرتبة الثانية من حيث عدد الولادات التي أشرفت عليها. أي توقف لهذه الأنشطة يعني ترك عشرات الآلاف من الجرحى والنساء الحوامل دون رعاية، في ظل دمار شبه كامل للبنية الصحية ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
إسكات الشهود على الجرائم
ترى دوفورني أن القرار الإسرائيلي يعكس خوفًا من دور المنظمات غير الحكومية في توثيق ما يتعرض له المدنيون في غزة، مؤكدة أن هذه المنظمات باتت من الجهات القليلة القادرة على نقل صورة الواقع. ويأتي ذلك في ظل المنع الكامل للصحفيين الدوليين من دخول القطاع، واستهداف الصحفيين المحليين، ما يحوّل الحظر إلى أداة لإخفاء الجرائم وليس مجرد إجراء إداري.
استهداف غير مسبوق للعاملين الإنسانيين
تكشف أرقام “أطباء بلا حدود” عن حجم المأساة، إذ قُتل أكثر من 500 عامل في المجال الإنساني في غارات إسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 15 من طواقم المنظمة نفسها. هذا الرقم يعكس نمطًا واضحًا من الاستهداف، ويحوّل العمل الإغاثي في غزة إلى مهمة محفوفة بالموت، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية.
خرق فاضح للقانون الدولي
من منظور القانون الدولي الإنساني، يُعد حظر عمل المنظمات الطبية والإغاثية جريمة بحد ذاته، إذ تنص الاتفاقيات الدولية على تسهيل عملها أثناء النزاعات المسلحة. غير أن إسرائيل تتعامل مع هذه القواعد بوصفها عائقًا سياسيًا يجب الالتفاف عليه، ما يعمّق الطابع المنهجي للانتهاكات المرتكبة في القطاع.
غزة تُترك لمصيرها
في حال مضت إسرائيل في تنفيذ قرارها، فإن انسحاب “أطباء بلا حدود” لن يكون مجرد توقف نشاط منظمة، بل إعلانًا عن مرحلة جديدة من الإجرام المنظم، تُدار فيها الحرب بإغلاق غرف العمليات، وتجفيف مصادر المياه، وترك الجرحى يواجهون الموت بصمت. عندها، لن يكون السؤال لماذا توقفت المنظمات، بل من يحاسب من قرر خنق غزة حتى آخر نفس.
اقرأ أيضًا : بلطجة ترامب تضع العالم على المحك: احتجاز مادورو في بروكلين يثير رفضًا دوليًا واسعًا