قُتل عشرة أشخاص، بينهم سبعة أطفال، في قصفٍ جديد بطائرة مسيّرة استهدف مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، في واحدة من أكثر الضربات دموية منذ أسابيع، أعادت إلى الواجهة تصاعد حرب المسيّرات ضد المدنيين، والدور الخارجي المتهم بتغذية هذا المسار، وفي مقدمته الإمارات الداعمة لميليشيا الدعم السريع.

وبحسب مصدر طبي، نقلت عنه وكالة فرانس برس، فإن الضربة استهدفت منزلًا في وسط المدينة الخاضعة لسيطرة الجيش، وأسفرت عن مقتل عشرة مدنيين، سبعة منهم أطفال، في مشهد يُلخّص كلفة الحرب حين تتحول السماء إلى مصدر موت عشوائي. وأكد شهود عيان أن القصف جاء عبر طائرة مسيّرة، في وقت تحاول فيه ميليشيا الدعم السريع إحكام حصارها على الأبيّض منذ أشهر.

المسيّرات كسلاح لإرهاب المدن

تتهم السلطات السودانية منذ فترة ميليشيا الدعم السريع بشن هجمات ممنهجة بطائرات مسيّرة على منشآت مدنية وبنى تحتية، بينها محطات كهرباء ومرافق خدمية في مدن شمال وشرق البلاد. وفي الأبيّض تحديدًا، انقطع التيار الكهربائي يوم الأحد عقب قصفٍ استهدف محطة الكهرباء، وفق شركة كهرباء السودان، ما ضاعف معاناة السكان وألقى بظلال ثقيلة على الخدمات الصحية والإغاثية.

وفي المقابل، تلتزم ميليشيا الدعم السريع الصمت حيال هذه الاتهامات، في نمطٍ متكرر يعكس سعيًا لإدارة الحرب دون تحمّل مسؤولية قانونية أو سياسية عن آثارها على المدنيين، خصوصًا الأطفال.

الجيش: تصدٍ ومحاولات كسر الحصار

على الصعيد العسكري، أعلن الجيش السوداني في بيانات سابقة إسقاط مسيّرات حاولت استهداف مواقع استراتيجية في مروي، بما فيها قاعدة مروي الجوية وسد مروي. وأكدت الفرقة 19 مشاة أن دفاعاتها الأرضية تصدت لمسيّرات انتحارية أطلقتها “ميليشيا الدعم السريع المتمردة”، في إشارة إلى اتساع رقعة استخدام هذا السلاح.

كما أفاد مصدر في الجيش بأن قوات متحالفة معه سيطرت الأسبوع الماضي على مدن جنوب الأبيّض، ما قد يفتح الطريق بين الأبيّض و**الدلنج**، التي يسيطر عليها الجيش لكنها محاصرة من الدعم السريع. هذا التقدم، إن استمر، قد يخفف الخناق عن الأبيّض، لكنه في الوقت نفسه يدفع الميليشيا—بحسب مراقبين—إلى تصعيد القصف الجوي لتعويض خسائرها البرية.

سياق حرب ممتدة وكلفة إنسانية فادحة

منذ نيسان/أبريل 2023، اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع على خلفية الخلاف حول توحيد المؤسسة العسكرية. ومنذ ذلك الحين، دخل السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم: مجاعة، وانهيار خدمات، ومقتل عشرات الآلاف، ونزوح يقارب 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها.

تسيطر ميليشيا الدعم السريع على جميع مراكز ولايات دارفور الخمس غربًا، بينما يسيطر الجيش على معظم الولايات المتبقية في الشمال والشرق والوسط والجنوب، بما فيها العاصمة الخرطوم. ويُشكّل دارفور نحو خمس مساحة السودان، لكن غالبية السكان—قرابة 50 مليون نسمة—يعيشون في مناطق سيطرة الجيش، ما يجعل استهداف المدن في كردفان والشمال ذا أثر واسع على المدنيين.

الإمارات ودور “الحرب بالوكالة”

يثير تصاعد استخدام المسيّرات تساؤلات حول مصادرها وخطوط إمدادها. وفي هذا السياق، يربط محللون بين قدرات ميليشيا الدعم السريع المتنامية والدعم الخارجي، وعلى رأسه الإمارات، التي وُجهت إليها اتهامات متكررة—سياسية وإعلامية—بتقديم دعم لوجستي وتسليحي للميليشيا. ومع كل ضربة تُسقط أطفالًا، تتجدد الأسئلة حول مسؤولية الرعاة الخارجيين في تحويل الصراع إلى حرب بالوكالة تُدار على حساب المدنيين.

جريمة حرب أم نمط ممنهج؟

استهداف منزلٍ في وسط مدينة مأهولة، وسقوط سبعة أطفال، يضع الضربة—وفق القانون الدولي الإنساني—في خانة الانتهاكات الجسيمة، وربما جرائم الحرب إذا ثبت تعمّد استهداف المدنيين أو الإهمال الفاضح لمبدأ التمييز. ويخشى حقوقيون أن يُرسّخ الإفلات من العقاب هذا النمط، ويشجع على مزيد من الضربات العشوائية.

خاتمة

مجزرة الأبيّض ليست حادثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة حرب تُدار بالمسيّرات والحصار، وتدفع ثمنها العائلات والأطفال. وبينما تتبادل الأطراف البيانات، يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي معلقًا: إلى متى يُسمح لميليشيا مسلحة—بدعم خارجي—بتحويل مدن السودان إلى ساحات اختبار للمسيّرات، فيما العالم يكتفي بالعدّ؟

اقرأ أيضًا : حضرموت والمهرة تتحرران من قبضة المليشيا.. الإمارات تخسر رهانها في شرق اليمن