في غرفة متواضعة بأحد أحياء الخرطوم، تجلس “مريم” — اسم مستعار — ويداها ترتجفان، ودموعها تنساب في صمت ثقيل. تحاول أن تحكي ما جرى، لكن الكلمات تخونها، وكأن الجريمة ما زالت تمسك بحلقها. في السودان، لا تُجبر النساء ضحايا العنف الجنسي على تحمّل الألم فقط، بل يُدفعن أيضًا إلى الصمت، خوفًا من وصمة اجتماعية تطارد الضحية أكثر مما تطارد الجاني، في حرب بات فيها الاغتصاب سلاحًا ممنهجًا بيد ميليشيا الدعم السريع المدعومة إقليميًا، وعلى رأس ذلك دولة الإمارات.

الاغتصاب كسلاح حرب

تكشف شهادات جمعتها مراسلة الجزيرة أسماء محمد عن نمط صادم من الانتهاكات الجنسية التي تطال النساء والفتيات في مناطق سيطرة الدعم السريع، في سياق حرب لا ترحم بين الجيش السوداني والميليشيا. “مريم” كانت تحاول الفرار من ولاية الجزيرة إلى الخرطوم أوائل العام الماضي، بحثًا عن ملاذ آمن، لكنها وجدت أن طريق النجاة ذاته تحوّل إلى مسرح جريمة.

عند حاجز عسكري في طريق صحراوي معزول، أُجبرت السيارة التي تقلها على التوقف. من بين جميع الركاب، جرى انتقاؤها وحدها. تقول بصوت مكسور: “قالوا تفتيش… بعد شوية نادوني أنا بس… ودوني غرفة فاضية فيها فرش… قالوا لي ارقدي هنا… وبعد داك اغتصبوني… الاثنين”. عادت إلى السيارة منهارة، والركاب يتجنبون النظر في عينيها، وكأن العار انتقل إليها لا إلى من ارتكب الجريمة.

من الجزيرة إلى الفاشر.. الجريمة ذاتها

في مدينة الفاشر، تتكرر المأساة بوجه أكثر وحشية. “أم كلثوم” — طالبة بكلية الطب — تحكي كيف اقتحمت قوات الدعم السريع منزلها، وقتلت خالها الذي ربّاها أمام عينيها، قبل أن تنتقل الجريمة إلى مرحلة أبشع. “كنا أربع بنات… أنا وبنات الجيران… اغتصبونا كلنا… بطريقة وحشية”. شهادتها لا تحمل فقط ألم الاعتداء، بل صدمة فقدان الحماية، وسقوط كل ما هو إنساني دفعة واحدة.

أرقام تفوق الوصف

ما كشفته الشهادات الفردية تؤكده الأرقام الطبية والحقوقية. الدكتور عماد الدين عبد الله الصديق، مدير عام مستشفى الولادة بأم درمان، يقول إن حالات الاغتصاب “تفوق الحصر”، وإن الضحايا لا يقتصرن على النساء البالغات، بل تشمل أطفالًا ورضعًا. يضيف أن أكثر من 14 رضيعة دون سن السنتين تعرضن للاغتصاب، وأن غالبية الحالات التي وصلت المستشفى أعمارهن بين 11 و23 عامًا، ومعظمهن فتيات غير متزوجات.

هذه المعطيات تنسف أي ادعاء بأن الجرائم “حوادث فردية”، وتضعها في إطار واضح: سياسة ترهيب ممنهجة تستهدف المجتمع عبر أجساد النساء.

توثيق دولي للفظائع

المنظمات الدولية لم تعد قادرة على تجاهل حجم الكارثة. اليونيسف وثّقت أكثر من 200 حالة اعتداء جنسي على أطفال منذ بداية عام 2024، بعضهم دون سن الخامسة، ومنهم رضع في عامهم الأول. أما مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فأكد تعرض عشرات النساء والأطفال لانتهاكات جنسية جسيمة خلال هجوم قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين في الفاشر.

من جهتها، وثّقت هيومن رايتس ووتش أكثر من 250 اعتداءً جنسيًا في الخرطوم وحدها، مؤكدة أن الغالبية العظمى ارتكبتها قوات الدعم السريع. هذا التراكم في التقارير يرسم صورة قاتمة لجرائم حرب مكتملة الأركان.

الإمارات.. دعم بالسلاح وصمت عن الجرائم

ورغم هذا السجل الدموي، لا تزال الإمارات العربية المتحدة متهمة بلعب دور مركزي في دعم ميليشيا الدعم السريع سياسيًا وعسكريًا، وفق تقارير أممية وصحفية سابقة عن تسليح وتمويل غير مباشر. هذا الدعم، الذي يُقدّم تحت عناوين النفوذ والمصالح، جعل من الميليشيا قوة منفلتة من أي مساءلة، ومكّنها من تحويل الاغتصاب والقتل إلى أدوات سيطرة وبث رعب.

عدالة غائبة وجرح مفتوح

قد تكون الرعاية الطبية خففت قليلًا من الألم الجسدي الذي تعرّضت له “مريم” و“أم كلثوم”، لكن أعينهما الزائغة تحمل جروحًا أعمق من أن تلتئم بسهولة. في ظل غياب العدالة، واستمرار الحرب، تبقى هذه الجرائم بلا محاسبة، وتبقى النساء في السودان رهائن صراع تُستخدم فيه أجسادهن كساحة حرب إضافية.

إن ما يجري ليس مجرد “انتهاكات”، بل نمط ممنهج من جرائم الاغتصاب والقتل، تُرتكب تحت سمع العالم وبصره، وبغطاء إقليمي يطيل أمد المأساة. وفي السودان، تستمر الحرب في حصد الأرواح… واغتصاب ما تبقى من إنسانية.

اقرأ أيضًا : درع الوطن تُنهي نفوذ ميليشيا الانتقالي بالمهرة… والزبيدي إلى الرياض بعد سقوط المشروع الإماراتي