في خطوة لافتة تعكس تحولات أمنية وسياسية متسارعة في شرق اليمن، أطلقت السلطات المحلية في حضرموت حملة واسعة لمنع التجول بالسلاح في المدن والأماكن العامة، بالتزامن مع إعلان السلطات في المهرة مهلة زمنية محددة لإعادة الأسلحة المنهوبة من المعسكرات، في أعقاب أحداث أمنية شهدتها المحافظتان خلال الأسابيع الماضية. هذه الإجراءات تأتي في سياق أوسع، يرتبط بخروج ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتيًا، وما خلّفه وجودها من فوضى أمنية وانفلات للسلاح.

السلطات المحلية في حضرموت أعلنت، عبر بيان رسمي، أن محافظ المحافظة وقائد قوات درع الوطن وجّه بمنع حمل السلاح في الأماكن العامة والمرافق الحكومية والخاصة، وحصره على الوحدات العسكرية والأمنية المرخصة فقط. وجاء هذا التوجيه عقب تنفيذ حملة عسكرية وأمنية ميدانية استهدفت ضبط السلاح المنفلت، في محاولة لإعادة الاعتبار لهيبة الدولة وفرض النظام العام.

من الناحية العملية، تعكس هذه الخطوة إدراكًا رسميًا بأن انتشار السلاح بين المدنيين لم يكن ظاهرة عفوية، بل نتاج مرحلة طويلة من تغذية الفوضى الأمنية، ارتبطت بسياسات الأمر الواقع التي فرضتها ميليشيات مدعومة خارجيًا. فحضرموت، التي عُرفت تاريخيًا باستقرارها النسبي مقارنة بمناطق يمنية أخرى، تحولت خلال الأعوام الماضية إلى ساحة تنافس نفوذ، دفعت ثمنه السكينة العامة والأمن المجتمعي.

السلاح في يد الدولة

في المقابل، شهدت محافظة المهرة تحركًا مكمّلًا على المسار ذاته، حيث عقد المحافظ اجتماعًا مع اللجنة الأمنية، شدد خلاله على ضرورة رفع الجاهزية الأمنية، وإعادة الأسلحة والذخائر والآليات التي نُهبت من المعسكرات خلال الأحداث الأخيرة. وأعلنت السلطات مهلة عشرة أيام للتسليم الطوعي، محذّرة من أن المتخلفين سيواجهون المداهمة والمساءلة القانونية.

هذا التطور في المهرة يحمل دلالة سياسية وأمنية بالغة. فالمحافظة، المحاذية لسلطنة عُمان، كانت خلال السنوات الماضية هدفًا لمحاولات اختراق أمني وعسكري، اتُهمت أطراف إقليمية – وفي مقدمتها الإمارات – بالسعي إلى تحويلها إلى ساحة نفوذ عبر أدوات محلية ومليشياوية. ومع انسحاب قوات الانتقالي الجنوبي، برزت فرصة حقيقية لإعادة ضبط المشهد الأمني، شريطة ألا يُترك فراغ جديد يُستغل من قوى أخرى.

تشكيل لجنة مشتركة من الوحدات العسكرية والأمنية وقوات درع الوطن في المهرة، برئاسة أركان محور الغيضة، يعكس محاولة جادة لتوحيد القرار الأمني، ومنع تعدد مراكز القوة. غير أن نجاح هذه اللجنة سيبقى مرهونًا بمدى استقلالها عن أي ضغوط خارجية، وقدرتها على تطبيق القانون دون انتقائية.

وفق مصادر يمنية، فإن عمليات نهب الأسلحة التي شهدتها حضرموت والمهرة تزامنت مع انسحاب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من مواقع عدة. هذا الانسحاب، الذي جاء بعد فترة من التوترات، كشف حجم الاختلال الأمني الذي خلّفه وجود هذه الميليشيا، حيث تحولت المعسكرات إلى أهداف سهلة للنهب، في ظل غياب منظومة دولة موحدة وقادرة على الضبط.

ما بعد الميليشيا

من زاوية تحليلية أوسع، يمكن قراءة ما يجري في حضرموت والمهرة باعتباره اختبارًا حقيقيًا لفكرة “ما بعد الميليشيا”. فهل يكفي خروج التشكيلات الانفصالية المدعومة إماراتيًا لإعادة الأمن؟ أم أن الأمر يتطلب إعادة بناء شاملة للمؤسسات الأمنية، بعيدًا عن منطق الوكلاء والارتباطات الخارجية؟

حتى الآن، تبعث الخطوات المتخذة برسائل إيجابية، خصوصًا مع التركيز على منع السلاح المنفلت، والتلويح بتطبيق القانون على الجميع. لكنها تظل خطوات أولية، تحتاج إلى غطاء سياسي ووطني أوسع، يقطع مع المرحلة السابقة التي استُخدم فيها السلاح أداة لفرض مشاريع انفصالية وتمزيق النسيج الاجتماعي.

في المحصلة، تبدو حضرموت والمهرة أمام مفترق طرق. فإما أن تتحول هذه الإجراءات إلى نقطة انطلاق لاستعادة الأمن وبناء نموذج دولة، أو أن تُفرغ من مضمونها إذا ما عادت التدخلات الخارجية بأدوات جديدة. غير أن المؤكد، وفق معطيات اللحظة، أن خروج ميليشيا الانتقالي الانفصالية الإماراتية أزال أحد أبرز عوائق الاستقرار، وفتح نافذة أمل مشروطة بإرادة يمنية خالصة.

اقرأ أيضا : خروج المليشيات الإماراتية يمهّد لعودة الدولة.. محافظات يمنية تؤكد التنمية والاستقرار بعد رحيل “الانتقالي”