في مشهد سياسي بالغ الدلالة، اختار عبد الفتاح السيسي أن “يترحّم” علنًا على الرئيس الراحل محمد مرسي، وأن يقدّم نفسه في الوقت ذاته كحارس للدولة ضد “تفكيكها” عبر الميليشيات والكيانات الموازية. خطابٌ بدا للوهلة الأولى تصالحيًا، لكنه عند التدقيق يفتح بابًا واسعًا للأسئلة حول المسؤولية السياسية والقانونية، وحول التناقض الصارخ بين القول والفعل منذ صيف 2013.

خطاب “الرحمة” بعد عقد من الإقصاء والقتل

حين يقول السيسي إن مرسي “كان سيشارك في الانتخابات” وإن “البلد تسع الجميع”، فإن هذه الجملة، بحد ذاتها، تصطدم بوقائع عشر سنوات من الإقصاء الممنهج، والسجون، والمحاكمات الاستثنائية، وانسداد المجال العام. الترحّم هنا لا يبدو مراجعة سياسية بقدر ما هو إعادة تموضع خطابي: محاولة لتخفيف ثقل التاريخ دون تحمّل تبعاته. فالرئيس الذي قُتل في محبسه بعد سنوات من الحبس الانفرادي والإهمال الطبي، لا تُمحى مسؤوليته السياسية بعبارة رحمة متأخرة.

بيان 3 يوليو: إعادة كتابة التاريخ

الدعوة إلى “قراءة بيان 3 يوليو” بوصفه بيان “لطف وتوافق” تتجاهل ما أعقبه مباشرة: فضّ اعتصامات، قتل جماعي، وإغلاق شامل لمسارات السياسة. السؤال الذي يتجاهله الخطاب: إذا كان البيان إصلاحيًا، فلماذا أُغلقت صناديق السياسة وفتحت أبواب السجون؟ ولماذا تحوّل “العودة للشعب” إلى تفويض دائم بلا محاسبة؟

الميليشيات “خط أحمر” في الخطاب… وواقع في سيناء

يعلن السيسي رفضه القاطع لإنشاء ميليشيات موازية للجيوش، معتبرًا إياها أداة لتدمير الدول. غير أن هذا الموقف الخطابي يصطدم بتجربة مصر نفسها، خصوصًا في سيناء، حيث جرى تفويض مجموعات مسلحة محلية للقيام بأدوار أمنية وعسكرية خارج الأطر المؤسسية التقليدية. المثال الأبرز هو صعود شبكات نفوذ محلية “ميليشيات” مرتبطة باسم إبراهيم العرجاني، التي تحوّلت من فاعل اقتصادي إلى لاعب أمني بغطاء رسمي، في مشهد يطابق تعريف “الكيانات الموازية” التي يحذّر منها الخطاب الرئاسي.

هذه المفارقة ليست نظرية. فحين تُمنح مجموعات محلية السلاح والنفوذ والغطاء، وتُدار خارج الرقابة البرلمانية والقضائية، فإن الدولة لا “تحمي نفسها” بل تُخصخص العنف، وتؤسس لولاءات موازية قد ترتدّ على المجتمع والدولة معًا. التاريخ الإقليمي مليء بأمثلة دول بدأت بهذا المنطق وانتهت بتمزق مؤسساتها.

غزة في الخطاب… والشرعية في الداخل

في الجزء المتعلق بغزة، قدّم السيسي نفسه كداعية لعدم عرقلة المساعدات، ورافض للتهجير، ومتمسك بالتنفيذ الكامل للاتفاق. لكن الخطاب الخارجي، مهما بدا متوازنًا، لا يعوّض عن أزمة الشرعية الداخلية. فالدولة التي تطالب باحترام القانون الدولي خارج حدودها، مطالبة أولًا بإثبات احترامها لحقوق مواطنيها داخلها. وإلا تحوّل الحديث عن “القيم الإنسانية” إلى خطاب انتقائي يُستخدم في الخارج ويُعطَّل في الداخل.

مفارقة الدولة والميليشيا: من يحاسب من؟

أخطر ما في الخطاب ليس ما قاله السيسي عن الميليشيات، بل ما لم يقله: من المسؤول عن خلق بيئة تسمح بظهور كيانات مسلحة موازية؟ ومن يحاسب من شرعن لها؟ إذا كانت “الميليشيات لا تحمي الدول”، فكيف يُبرَّر دعمها حين تُعتبر “مفيدة” أمنيًا؟ وإذا كان من “فعلوا ذلك رحلوا”، فهل يشمل هذا الحكم من فعلوه داخل مصر؟

الترحّم على مرسي، في هذا السياق، لا يفتح صفحة جديدة بقدر ما يكشف تناقضًا عميقًا: خطاب يجرّم الميليشيات بينما يستند إلى ممارسات ميليشياوية، وخطاب تصالحي بلا عدالة انتقالية، ولا اعتراف بالمسؤولية، ولا محاسبة على دمٍ سُفك وسياسة أُغلقت. الدولة لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بإخضاع القوة للقانون، والسلطة للمساءلة، والتاريخ للحقيقة. دون ذلك، يبقى الترحّم مجرد عبارة… ويظل السؤال معلقًا: من قتل السياسة ثم عاد ليترحّم عليها؟

اقرأ أيضًا : قمع ما بعد الخطاب الليبرالي: بريطانيا تُلغي تأشيرة طالب مصري بسبب فلسطين