في ظل استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة، وتزايد مشاهد القتل والدمار والتجويع، بدأت الأصوات الإسرائيلية نفسها تعترف بتغير عميق في المزاج الغربي تجاه دولة الاحتلال، وبأن صورتها التي رُوّج لها لعقود باعتبارها “واحة ديمقراطية” في الشرق الأوسط، تتهاوى أمام الرأي العام العالمي. اعترافات لم تعد محصورة في أوساط النشطاء أو المعارضين، بل باتت تصدر عن مسؤولين ودبلوماسيين ومحللين من داخل المنظومة الإسرائيلية، محذرين من مستقبل قاتم لوجود الدولة في بيئة دولية لم تعد متسامحة مع سياساتها.

انكشاف الوجه الحقيقي للاحتلال أمام الرأي العام العالمي
منذ السابع من أكتوبر، وما أعقبه من حرب واسعة على غزة، شهد العالم تدفقًا غير مسبوق للصور والمقاطع والتقارير التي توثق حجم الانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين. هذه المشاهد، التي لم يعد ممكنًا إخفاؤها أو التلاعب بها إعلاميًا، ساهمت في إعادة تشكيل وعي قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية.
لم يعد الاحتلال يُنظر إليه باعتباره “دولة تدافع عن نفسها”، بل كقوة عسكرية تمارس العقاب الجماعي، وتستهدف البنية التحتية والمستشفيات والمخيمات، وتفرض حصارًا خانقًا على أكثر من مليوني إنسان. هذا التحول في الصورة أدى إلى تراجع فعالية الخطاب التقليدي الذي طالما اعتمدته إسرائيل لتبرير سياساتها.
أوروبا بين عقدة الماضي ورفض الحاضر
تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن أوروبا، التي شكّلت تاريخيًا أحد أهم الداعمين السياسيين والأخلاقيين للاحتلال، باتت تشهد تحولات ملحوظة في المزاج العام. فالأجيال الجديدة، التي لا تحمل إرث الحرب العالمية الثانية بالقدر نفسه، لم تعد ترى في دعم إسرائيل واجبًا أخلاقيًا مطلقًا.
في الجامعات والشوارع ووسائل الإعلام، تتزايد الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين، وتتصاعد حملات المقاطعة والاحتجاج. كما بات كثير من اليهود في أوروبا يشعرون بالقلق من ربط هويتهم بسياسات الاحتلال، ما دفع بعضهم إلى إخفاء انتمائهم أو اتخاذ مواقف نقدية علنية.
هذه التحولات تعكس تراجع قدرة إسرائيل على استثمار “ذاكرة الهولوكوست” كدرع سياسي دائم، في ظل واقع يومي يكشف ممارسات تناقض القيم التي يرفعها الغرب.
الجامعات الأمريكية… من منصات حرية إلى ساحات صراع
في الولايات المتحدة، التي تمثل الحليف الاستراتيجي الأهم لإسرائيل، تبرز الجامعات كمركز رئيسي للتحول في الخطاب العام. فقد تحولت كثير من الحرم الجامعية إلى ساحات احتجاج دائم ضد الحرب على غزة، وضد الدعم الأمريكي غير المشروط للاحتلال.
يشكو مسؤولون إسرائيليون من تصاعد ما يصفونه بـ”العداء المنظم” داخل المؤسسات الأكاديمية، حيث تنتشر فعاليات التضامن، وتُطرح روايات فلسطينية كانت مهمشة سابقًا. كما باتت حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات تحظى بدعم متزايد بين الطلاب والأساتذة.
هذا المشهد يعكس أزمة أعمق، تتمثل في فقدان إسرائيل قدرتها على السيطرة على الفضاءات الفكرية التي طالما اعتبرتها حاضنة طبيعية لروايتها.
صمت النخب الغربية وتآكل الدعم السياسي
من أخطر ما يثير قلق النخب الإسرائيلية، وفق هذه التقديرات، ليس فقط تصاعد الانتقادات، بل تراجع الحماسة السياسية للدفاع عن الاحتلال. فالكثير من الساسة الغربيين باتوا يكتفون بتصريحات عامة ومبهمة، دون انخراط حقيقي في تبرير الجرائم أو تغطيتها.
هذا التراجع لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في السياسات الرسمية، لكنه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الدفاع المطلق عن إسرائيل بات عبئًا سياسيًا داخليًا، في ظل غضب الشارع وارتفاع كلفة الصمت الأخلاقي.
ومع تصاعد الضغوط الشعبية، يجد صناع القرار أنفسهم أمام معادلة صعبة: الاستمرار في دعم الاحتلال أو مواجهة خسائر انتخابية ومعنوية.
أزمة وجودية داخل الخطاب الإسرائيلي
تكشف هذه الاعترافات عن أزمة عميقة في بنية الوعي الإسرائيلي ذاته. فالدولة التي اعتادت تقديم نفسها كضحية دائمة، باتت تُواجه واقعًا يراها فيه العالم طرفًا معتديًا ومهيمنًا.
هذا التحول يضرب في الصميم الأسس الرمزية التي قامت عليها “شرعية” الاحتلال في الغرب، ويفتح الباب أمام تساؤلات وجودية داخل المجتمع الإسرائيلي حول المستقبل، والعزلة الدولية، وحدود القوة العسكرية.
لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية كسب معركة عسكرية، بل بات يتعلق بكيفية البقاء في نظام دولي تتآكل فيه المظلة الأخلاقية والسياسية التي وفرت الحماية لعقود.
مستقبل معزول أم مراجعة قسرية؟
أمام هذا الواقع، تقف إسرائيل عند مفترق طرق. فإما الاستمرار في سياسات القوة والإنكار، بما يقود إلى مزيد من العزلة والعقوبات والرفض الشعبي العالمي، أو الانخراط في مراجعة حقيقية لطبيعة المشروع الاستيطاني والاحتلالي.
غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن المؤسسة الحاكمة تميل إلى الخيار الأول، معتمدة على التفوق العسكري والدعم الأمريكي، ولو كان متراجعًا تدريجيًا. لكن هذا الرهان يبدو محفوفًا بالمخاطر في عالم بات أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على فضح الانتهاكات.
في المحصلة، تعكس التقديرات الإسرائيلية الأخيرة اعترافًا متأخرًا بحقيقة واضحة: العالم بدأ يرى الوجه الحقيقي للاحتلال، ولم تعد أدوات التضليل القديمة قادرة على حجب الواقع، ما ينذر بمرحلة جديدة عنوانها العزلة، والقلق الوجودي، وتآكل الشرعية.
اقرأ أيضا : الكونغرس الأمريكي يجمّد صفقات السلاح للإمارات بسبب دعم ميليشيا الدعم السريع في السودان