في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بإمكانية اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، تتشكل في قلب الخليج أزمة لا تقل خطورة، تتمثل في التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات، وهما أبرز حليفين لواشنطن في المنطقة. هذا الصراع، الذي كان في بداياته مكتومًا ومحصورًا في دوائر النخب، بات اليوم عاملًا مؤثرًا في رسم ملامح المستقبل السياسي والاقتصادي والأمني للخليج والشرق الأوسط برمته.

بحسب تحليل نشرته مجلة “ناشونال إنترست” للأكاديمي محمد أيوب، فإن العلاقة بين الرياض وأبوظبي انتقلت من مرحلة “الشراكة الاستراتيجية” إلى مرحلة “المنافسة المنظمة”، التي تحمل في طياتها مخاطر تفكك التوازن الخليجي التقليدي.

من التحالف إلى التنافس: تفكك المحور الخليجي

لعدة سنوات، بدا التحالف السعودي الإماراتي وكأنه حجر الزاوية في النظام الإقليمي الخليجي، خصوصًا بعد عام 2015. فقد تقاطعت مصالح الطرفين في مواجهة إيران، ودعم الثورات المضادة، والتدخل في اليمن، وإعادة هندسة المنطقة سياسيًا.

غير أن هذا التماسك بدأ يتآكل تدريجيًا مع بروز تباينات في الرؤية والمصالح. فالسعودية، بوصفها القوة السكانية والدينية الأكبر، تسعى إلى ترسيخ زعامتها الإقليمية، بينما تعمل الإمارات على بناء نفوذ عابر للحدود قائم على الاقتصاد والموانئ والتحالفات الدولية.

هذا التناقض البنيوي جعل من الصعب استمرار العلاقة في إطار تحالفي مستقر، وفتح الباب أمام تنافس صامت تحول لاحقًا إلى صراع نفوذ مفتوح.

الحرب الاقتصادية: رؤية 2030 في مواجهة نموذج دبي

أحد أبرز ميادين الصراع يتمثل في المجال الاقتصادي. فمنذ إطلاق السعودية “رؤية 2030”، بدأت الرياض مشروعًا واسعًا لإعادة تشكيل اقتصادها، وتحويل نفسها إلى مركز استثماري وسياحي عالمي عبر مشاريع ضخمة مثل نيوم والبحر الأحمر.

هذا التوجه وضعها في مواجهة مباشرة مع النموذج الإماراتي، الذي رسخته دبي وأبوظبي كمراكز تجارية ولوجستية إقليمية منذ عقود. وبلغت المنافسة ذروتها عندما اشترطت السعودية على الشركات الأجنبية نقل مقراتها الإقليمية إلى أراضيها للحصول على العقود الحكومية، في خطوة فُسرت على أنها استهداف مباشر لدبي.

في قطاع الطيران والسياحة، دخلت الرياض أيضًا على خط المنافسة عبر تأسيس “طيران الرياض” واستثمارات ضخمة في البنية السياحية، ما أنهى عمليًا حالة الاحتكار الإماراتي لهذا القطاع.

التطبيع وإسرائيل: اختلاف الحسابات السياسية

في الملف الإسرائيلي، يظهر تباين واضح بين الطرفين. فقد اندفعت الإمارات بقوة نحو التطبيع العلني مع الاحتلال الإسرائيلي، وسعت إلى تحويله إلى شراكة اقتصادية وأمنية شاملة، دون اعتبار يُذكر للرأي العام العربي.

في المقابل، حافظت السعودية على درجة من الحذر، مدفوعة بحساسيات داخلية تتعلق بالمؤسسة الدينية والرأي العام، فضلًا عن موقعها الرمزي في العالم الإسلامي.

هذا الاختلاف يعكس تباينًا في طبيعة الأنظمة: الإمارات تتحرك بمنطق براغماتي صرف، بينما تحاول السعودية الموازنة بين الطموح السياسي والشرعية الدينية.

اليمن والسودان والقرن الإفريقي: صراع النفوذ الخشن

في اليمن، برزت الخلافات بوضوح. فبينما ركزت السعودية على حماية حدودها والحفاظ على وحدة الدولة اليمنية، عملت الإمارات على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، والسيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية.

هذا التناقض أدى إلى تفكك المشروع المشترك، وانسحاب إماراتي جزئي كشف هشاشة التحالف العسكري، وحوّل اليمن إلى ساحة صراع غير مباشر بين الحليفين.

في السودان والقرن الإفريقي، يتكرر المشهد. إذ تميل السعودية إلى دعم الحكومات الرسمية، بينما تعتمد الإمارات على رعاية ميليشيات محلية وشبكات نفوذ غير رسمية، بهدف السيطرة على الموانئ وخطوط التجارة.

هذا السلوك يعكس نزعة إماراتية لتفكيك الدول الهشة وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها، حتى لو أدى ذلك إلى إطالة أمد الصراعات.

إيران بين المواجهة والاحتواء

حتى في التعامل مع إيران، تختلف المقاربتان. فالسعودية تنظر إلى طهران باعتبارها تهديدًا وجوديًا، وتسعى إلى مواجهتها سياسيًا وأمنيًا. أما الإمارات، فتعتمد سياسة مزدوجة تقوم على الاحتواء الاقتصادي والتواصل الدبلوماسي، حفاظًا على مصالحها التجارية.

هذا التباين يضعف الجبهة الخليجية الموحدة، ويمنح إيران هامش مناورة أوسع في المنطقة.

الإمارات ومشروع التفكيك الإقليمي

يشير أيوب، ضمنيًا، إلى أن سلوك الإمارات يتجاوز مجرد المنافسة، ليصل إلى محاولة إعادة هندسة المنطقة عبر دعم الانقسامات والصراعات، بما يخدم مصالحها المرتبطة بالاحتلال والتحالفات الغربية.

من ليبيا إلى اليمن، ومن السودان إلى القرن الإفريقي، يظهر نمط متكرر يقوم على تمويل قوى محلية مسلحة، وتقويض المسارات السياسية، وتحويل الدول إلى ساحات نفوذ اقتصادي وأمني.

هذا المشروع، وإن حقق مكاسب قصيرة المدى لأبوظبي، فإنه يهدد بتفجير المنطقة على المدى البعيد.

مستقبل العلاقة: صراع بلا قطيعة

رغم حدة التنافس، لا يبدو أن العلاقة السعودية الإماراتية تتجه نحو قطيعة كاملة. فالمصالح الاقتصادية، والمخاوف الأمنية، والضغوط الأمريكية، كلها عوامل تمنع الانفجار الشامل.

لكن استمرار هذا الصراع دون آليات ضبط واضحة ينذر بمزيد من الفوضى الإقليمية، خصوصًا في اليمن والسودان، وقد يحول الخليج من منطقة توازن إلى ساحة تنافس مفتوح.

في المحصلة، لم يعد الصراع السعودي الإماراتي شأنًا داخليًا خليجيًا، بل أصبح عاملًا حاسمًا في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط، بين مشاريع الهيمنة، وحروب الوكالة، وإعادة رسم الخرائط السياسية، على حساب استقرار الشعوب وحقها في التنمية والحرية.

اقرأ أيضًا : تقدير إسرائيلي يعترف بتصاعد كراهية الغرب للاحتلال وانكشاف صورته الحقيقية أمام العالم