في لحظة مفصلية لم تعرفها الجمهورية الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عقود، أعلنت طهران استشهاد مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي في قصف إسرائيلي أمريكي مشترك استهدف العاصمة. وبذلك تطوى صفحة ثاني مرشد في تاريخ النظام بعد روح الله الخميني، لتدخل إيران مرحلة انتقالية شديدة الحساسية قد تعيد تشكيل موازين القوة داخل الدولة العميقة التي بناها النظام منذ ثورة 1979. السؤال المركزي الآن: من يقود إيران في غياب وليّها الفقيه؟ وما الخطوة التالية دستوريا وسياسيا؟

موقع المرشد في هندسة النظام الإيراني

لفهم ما سيحدث، لا بد من إدراك أن منصب المرشد الأعلى ليس منصبا رمزيا، بل هو مركز الثقل الحقيقي للنظام. فبموجب الدستور، يُعد القائد الأعلى “ولي الأمر” وإمام الأمة في زمن غيبة الإمام المهدي، وهو المرجعية السياسية والدينية العليا. يملك المرشد صلاحيات واسعة تشمل رسم السياسات العامة، الإشراف على تنفيذها، القيادة العامة للقوات المسلحة، إعلان الحرب والسلم، وتعيين كبار المسؤولين في القضاء والحرس الثوري وهيئة الإذاعة والتلفزيون.

كما أن للمرشد دورا حاسما في تعيين نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور، بينما يتم ترشيح النصف الآخر عبر رئيس السلطة القضائية الذي يعيّنه المرشد نفسه. هذه الحلقة المغلقة تجعل من موقع المرشد محور التوازن بين مؤسسات الدولة، وضامن استمرارية “ولاية الفقيه” كفلسفة حاكمة.

هل تبقى الجمهورية دون مرشد؟

الدستور الإيراني عالج هذه الفرضية. فبحسب المادة 107، يتولى مجلس خبراء القيادة مهمة اختيار المرشد الجديد. هذا المجلس، المنتخب شعبيا شكليا، يتكون من 88 فقيها، لكن قبول ترشح أعضائه يخضع لموافقة مجلس صيانة الدستور، ما يعكس طبيعة النظام المغلقة.

وفي حال شغور المنصب، يمكن للبلاد أن تستمر مؤقتا دون مرشد دائم، إذ يتم تشكيل مجلس قيادة مؤقت يتولى إدارة شؤون البلاد إلى حين انتخاب القائد الجديد. وقد أعلن أمين مجلس الأمن القومي أن هذا المجلس سيتشكل فورا التزاما بالنص الدستوري.

من يقود المرحلة الانتقالية الآن؟

ينص الدستور على أن يتولى مجلس شورى قيادة البلاد مهام المرشد مؤقتا. ويتكون هذا المجلس من رئيس الجمهورية الحالي مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية حجة الإسلام غلام حسين محسني إيجئي، إضافة إلى أحد فقهاء مجلس صيانة الدستور يُختار من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام.

عمليا، يعني ذلك أن السلطة التنفيذية والقضائية، إلى جانب ممثل المؤسسة الدينية الرقابية، ستتقاسم الصلاحيات الحساسة. غير أن هذا الترتيب يظل انتقاليا، لأن القرار النهائي بيد مجلس خبراء القيادة الذي سيجتمع لاختيار المرشد الجديد في أسرع وقت.

صراع التيارات أم توافق المؤسسة؟

الخطوة التالية لن تكون مجرد إجراء دستوري، بل اختبارا حقيقيا لتوازن القوى داخل النظام. فالمؤسسة الدينية في قم، والحرس الثوري، والتيار المحافظ المتشدد، جميعهم فاعلون أساسيون في تحديد هوية المرشد القادم. ورغم أن الدستور يشترط الكفاءة الفقهية والعدالة والرؤية السياسية والشجاعة، فإن العامل الحاسم سيكون قدرة المرشح على ضمان تماسك النظام في لحظة تهديد خارجي غير مسبوقة.

التاريخ يقدم سابقة واحدة فقط. فعقب وفاة الخميني عام 1989، تم اختيار خامنئي رغم أنه لم يكن مرجعا دينيا من الطراز الأول آنذاك، ما كشف أن المعادلة السياسية قد تتغلب على الاعتبارات الفقهية البحتة. واليوم، قد يتكرر المشهد، حيث يُبحث عن شخصية تجمع بين الولاء العقائدي والقدرة على إدارة الدولة في ظل تصعيد إقليمي مفتوح.

ماذا تعني المرحلة المقبلة لإيران؟

اغتيال المرشد الأعلى لا يعني انهيار النظام فورا، لأن بنية الجمهورية صممت لتكون محصنة عبر شبكة مؤسسات مترابطة. غير أن التحدي يكمن في عامل الزمن: كلما طال أمد الفراغ، زادت احتمالات الانقسام الداخلي أو تصاعد نفوذ الحرس الثوري كلاعب أول.

كما أن موقع الرئيس، الذي يُعد أعلى سلطة رسمية بعد المرشد، سيكتسب أهمية أكبر خلال المرحلة الانتقالية، خصوصا في إدارة السياسة الخارجية والملف الأمني. لكن صلاحياته تبقى مقيدة ما لم يُحسم ملف القيادة العليا.

في النهاية، إيران لا تدخل فراغا دستوريا، بل منعطفا سياسيا عميقا. مجلس القيادة المؤقت سيحافظ على استمرارية الدولة، لكن القرار الاستراتيجي بيد مجلس خبراء القيادة. هل سيتجه النظام إلى اختيار شخصية محافظة متشددة تعزز نهج المواجهة؟ أم يختار مرجعا أكثر براغماتية لإعادة ترتيب الأولويات؟

الإجابة ستحدد ليس فقط هوية القائد المقبل، بل طبيعة الجمهورية في عقدها الخامس: جمهورية تتشدد أكثر تحت ضغط الاغتيال والحرب، أم تعيد صياغة توازناتها للحفاظ على بقائها في إقليم يغلي بالصراعات.

اقرأ أيضًا : تحذير إيراني عاجل لمواطنيها بمغادرة الخليج والأردن وسط تصعيد أمريكي إسرائيلي خطير