كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية تفاصيل جديدة عن العملية التي سبقت اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في العاصمة طهران، مشيرة إلى أن العملية لم تكن مجرد ضربة عسكرية مفاجئة، بل نتيجة عملية اختراق استخباراتي معقدة استمرت سنوات وشاركت فيها أجهزة أمنية إسرائيلية وأمريكية. ويقدم التقرير صورة لواحدة من أكثر العمليات حساسية في تاريخ الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، في وقت تتصاعد فيه المواجهة الإقليمية إلى مستويات غير مسبوقة.
وتشير المعطيات التي عرضها التقرير إلى أن ما جرى لم يكن عملا عسكريا تقليديا، بل عملية مركبة جمعت بين الاستخبارات البشرية، والتجسس التقني، والهجمات السيبرانية، وصولا إلى استخدام أسلحة دقيقة بعيدة المدى. وفي حين تتحدث الرواية الغربية عن “عملية دقيقة ومحكمة”، يرى مراقبون أن ما حدث يعكس تصعيدا خطيرا في سياسة الاغتيالات السياسية التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي، في خرق واضح للقوانين الدولية وسيادة الدول.

اختراق استخباراتي طويل الأمد داخل طهران
بحسب التقرير، تمكنت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية من بناء ما وصفته الصحيفة بـ”الصورة الكاملة” لحياة القيادة الإيرانية ونمط تحركاتها اليومية. هذا العمل الاستخباراتي لم يتم خلال أيام أو أسابيع، بل كان نتاج سنوات من جمع المعلومات وتحليلها.
وتشير التفاصيل إلى أن أجهزة التجسس ركزت على تتبع تحركات المسؤولين الإيرانيين المقربين من دوائر القرار، وخاصة الحراس الشخصيين والسائقين والمسؤولين الأمنيين. ومن خلال مراقبة أنماط الحركة اليومية، تمكنت الاستخبارات من رسم خريطة دقيقة لنقاط الضعف داخل منظومة الحماية.
هذا النوع من العمليات يعكس نمطا معروفا في العمل الاستخباراتي الإسرائيلي، يعتمد على التغلغل التدريجي داخل البيئة الأمنية للخصم، وجمع المعلومات على مدى طويل قبل تنفيذ الضربة النهائية.
السيطرة على كاميرات المراقبة في العاصمة
أحد أخطر عناصر الاختراق الذي كشفه التقرير تمثل في تمكن الاستخبارات الإسرائيلية من الوصول إلى شبكة كاميرات المرور في طهران. ووفق الرواية المنشورة، جرى اختراق عدد كبير من هذه الكاميرات وتحويل بثها بشكل مشفر إلى خوادم داخل إسرائيل.
هذا الاختراق منح الجهات المنفذة قدرة غير مسبوقة على مراقبة تحركات المسؤولين الإيرانيين داخل العاصمة. فقد أتاحت الكاميرات تعقب سيارات الحراسة ومرافقي كبار المسؤولين، كما وفرت زوايا رؤية حساسة قرب المجمعات الحكومية.
ويعكس هذا التطور حجم التحول في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم تعد المعارك تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أصبحت التكنولوجيا والبيانات جزءا أساسيا من ساحة الحرب.
خوارزميات الوحدة 8200 وتحليل البيانات
يشير التقرير إلى أن وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لعبت دورا محوريا في تحليل البيانات التي جرى جمعها. وتعد هذه الوحدة من أبرز وحدات الحرب السيبرانية في العالم، حيث تختص بعمليات التنصت وتحليل الاتصالات والبيانات الرقمية.
وقد استخدمت الوحدة خوارزميات متقدمة لتحليل المعلومات المتعلقة بحراس الأمن والمرافقين، بما في ذلك عناوين إقامتهم، وساعات عملهم، والطرق التي يسلكونها يوميا.
هذا التحليل أتاح بناء ملفات شخصية دقيقة للعاملين في محيط القيادة الإيرانية، وهو ما سمح بتحديد اللحظة التي يتواجد فيها خامنئي داخل مكتبه بدقة كبيرة.
دور العنصر البشري في العملية
ورغم الاعتماد الكبير على الوسائل التقنية، فإن التقرير يؤكد أن العملية لم تكن لتنجح دون وجود عنصر بشري داخل إيران. وتشير المعلومات إلى أن مصادر بشرية ساهمت في تأكيد توقيت وجود المرشد الإيراني داخل مكتبه يوم تنفيذ الهجوم.
وجود هذا النوع من المصادر يعكس نجاحا استخباراتيا كبيرا في اختراق الدوائر القريبة من القيادة الإيرانية، وهو ما يشير إلى أن العملية كانت نتيجة تنسيق طويل ومعقد بين عدة أجهزة استخباراتية.
العزل الرقمي قبل تنفيذ الضربة
من أخطر الخطوات التي سبقت الهجوم ما وصفه التقرير بـ”العزل الرقمي” لموقع الاستهداف. فقد جرى تعطيل بعض مكونات شبكات الاتصال الخلوية المحيطة بالمجمع الحكومي في شارع باستور.
هذا الإجراء أدى إلى تعطيل الاتصالات بين أفراد الحماية، حيث ظهرت هواتفهم وكأنها مشغولة بشكل دائم عند محاولة الاتصال بها. وبهذا الشكل لم يتمكن أي شخص من إرسال تحذيرات أو اتخاذ إجراءات طارئة قبل تنفيذ الهجوم.
ويرى خبراء أن هذا التكتيك يعكس تطورا كبيرا في أساليب الحرب الإلكترونية، حيث أصبحت السيطرة على الاتصالات جزءا أساسيا من العمليات العسكرية الحديثة.
صواريخ بعيدة المدى وقرار سياسي بالاغتيال
في المرحلة الأخيرة من العملية استخدمت الطائرات الإسرائيلية صواريخ دقيقة بعيدة المدى قادرة على إصابة أهداف صغيرة من مسافات تتجاوز ألف كيلومتر. هذه الصواريخ سمحت للطائرات بالبقاء خارج نطاق الدفاعات الجوية الإيرانية.
لكن أخطر ما كشفه التقرير هو أن قرار تنفيذ الاغتيال لم يكن عسكريا فقط، بل كان قرارا سياسيا اتخذته واشنطن وتل أبيب. فقد رأت القيادتان أن استهداف خامنئي في بداية الحرب يمنع انتقاله إلى ملاجئ محصنة تحت الأرض، حيث يصبح من الصعب استهدافه لاحقا.
عملية تكشف طبيعة الصراع الاستخباراتي في المنطقة
تكشف تفاصيل هذه العملية حجم الحرب الخفية الدائرة في الشرق الأوسط، حيث أصبحت الاستخبارات والتكنولوجيا أدوات رئيسية في إدارة الصراعات. كما تعكس العملية تصعيدا خطيرا في سياسة الاغتيالات التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي، والتي باتت تمتد إلى قادة دول ومسؤولين رفيعي المستوى.
ويرى مراقبون أن هذه العملية قد تمثل نقطة تحول في طبيعة المواجهة بين إيران وخصومها، إذ إن اغتيال شخصية بمكانة المرشد الإيراني يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة من الصراع، حيث تتداخل الحرب الاستخباراتية مع المواجهة العسكرية المباشرة في منطقة تعد أصلا من أكثر مناطق العالم توترا.
اقرأ أيضًا : صور أقمار صناعية تفضح حجم الدمار في مقر الأسطول الخامس الأمريكي بالبحرين