تتصاعد في الآونة الأخيرة مؤشرات التوتر المكتوم بين أبوظبي والرياض، ملقيةً بظلالها على المشهد الدبلوماسي والإعلامي العربي، حيث كشفت سلسلة من المواقف والتحركات الممنهجة عن نهج إماراتي يعتمد “الحروب بالوكالة” عبر الفضاء الرقمي والشخصيات الأكاديمية والمقربة من دوائر صنع القرار. هذا النهج، الذي يقوده الذباب الإلكتروني الإماراتي بتوجيهات خفية، لم يعد يقتصر على التباين في وجهات النظر السياسية، بل انتقل إلى مرحلة الهجوم الشخصي المباشر، والتشكيك في القدرات الاقتصادية للمملكة، ومحاولة النيل من هيبتها الدبلوماسية عبر تفاصيل بروتوكولية هامشية، مما يكشف عن رغبة إماراتية في تقويض الدور الريادي للسعودية إقليمياً ودولياً.

المناكفات البروتوكولية: استغلال “الصورة” لمحاولة النيل من الهيبة السعودية

في مشهد يعكس حالة “التصيد” الدبلوماسي، أثار تعليق كل من أنور قرقاش وعبد الخالق عبد الله على صورة لوزير الخارجية السعودي خلال اجتماع وزاري سداسي (ضم الإمارات، تركيا، السعودية، قطر، مصر، والأردن) موجة من الاستهجان. فقد انبرى هؤلاء المسؤولون والمقربون من الديوان الإماراتي للحديث عن “خرق للعرف الدبلوماسي”، مدعين أن الوزير السعودي وقف في المكان الخاطئ أمام العلم بدلاً من الوقوف بجانبه، مشيرين بتهكم إلى أن جميع الوزراء التزموا بالبروتوكول “ما عدا أحدهم”.

هذا التركيز المبالغ فيه على تفصيلة شكلية في صورة جماعية لا يمكن قراءته بمعزل عن الرغبة في إحراج القيادة السعودية وتصويرها بمظهر غير الملم بالتقاليد الدبلوماسية. إن تحول مستشارين رسميين وأكاديميين “مقربين” إلى مراقبين لزوايا التصوير ليس إلا غطاءً سياسياً لهجوم أعمق يهدف إلى التقليل من شأن التحركات السعودية في الملفات الإقليمية الكبرى. هذه “المناكفة” بالصور تعكس ضيقاً إماراتياً من القيادة السعودية للمبادرات المشتركة، وتحولاً في الاستراتيجية الإماراتية من التعاون المعلن إلى محاولة التشويه الممنهج عبر أدوات “القوة الناعمة” التي تحولت في يد أبوظبي إلى خناجر مسمومة تُغرس في ظهر الحليف المفترض.

تجنيد الذباب الإلكتروني: استهداف “رؤية المملكة” والتشكيك في الملاءة المالية

لا يتوقف الهجوم الإماراتي عند حدود التلميحات الدبلوماسية، بل يمتد ليشمل حرباً اقتصادية شعواء يقودها “ذباب إلكتروني” مجند ومرتبط بجهات أمنية في أبوظبي. ومن أبرز وجوه هذا الهجوم ما كتبه عبد العزيز الخميس وغيره من الشخصيات التي تدور في الفلك الإماراتي، حيث روجوا لادعاءات تزعم أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي يعاني من “ضائقة مالية” خانقة تدفعه لتقليص مشاريع الرؤية الكبرى. وزعمت هذه التغريدات الممنهجة أن الحرب مع إيران زادت من “هشاشة” وضع الصندوق، في محاولة واضحة لإخافة المستثمرين الدوليين وضرب الثقة في الاقتصاد السعودي.

هذا التحريض الاقتصادي المبرمج يكشف عن توجيهات عليا لإضعاف الموقف السعودي، حيث تسعى الإمارات لتصوير نفسها كبديل استثماري وحيد وأكثر استقراراً في المنطقة. إن تجنيد هذه الأبواق لمهاجمة “رؤية 2030” يعكس مخاوف أبوظبي من التحولات الاقتصادية الكبرى في الرياض التي قد تسحب البساط من تحت مراكز المال والأعمال الإماراتية. وفي سياق متصل، برزت تساؤلات حول الدور الذي يلعبه وزير الإعلام عبد الله الحامد، الذي رُصد بمتابعة شخصيات كويتية، مثل جاسم الجريد، المعروف بتطرفه في مهاجمة السعودية وتمجيده المطلق للإمارات. إن رعاية ودعم مثل هذه الأصوات التي تبث السموم تجاه المملكة تؤكد أن ما يحدث ليس مجرد “آراء شخصية”، بل هو عمل استخباراتي وإعلامي منسق يهدف إلى خلق هوة بين الشعوب الخليجية وضرب العمق الاستراتيجي للسعودية.

الحرب السرية: رسائل محمد بن زايد عبر الوكلاء الرقميين

تجمع التقارير والملاحظات على أن الهجوم الشرس الذي يشنه الذباب الإلكتروني الإماراتي لا يمكن أن يتحرك بهذا الزخم وهذه الدقة دون ضوء أخضر من قمة الهرم السلطوي في أبوظبي. فبينما يحرص محمد بن زايد على إظهار الود في اللقاءات الرسمية، تشير الوقائع على الأرض إلى أنه يدير “حرباً سرية” وبطرق خبيثة عبر وكلائه الرقميين. الهدف من هذه السياسة المزدوجة هو إبقاء الضغط مستمراً على الرياض، ومحاولة ابتزازها في ملفات سياسية واقتصادية معينة، مع الحفاظ على “شعرة معاوية” في العلاقات الرسمية.

إن استخدام شخصيات مثل عبد العزيز الخميس والجريد وغيرهم للقيام بـ “المهام القذرة” إعلامياً، يسمح للقيادة الإماراتية بالتنصل من المسؤولية المباشرة مع تحقيق النتائج المرجوة في تشويه السمعة السعودية. هذا الأسلوب “الخبث السياسي” يعكس رغبة في زعامة المنطقة عبر إضعاف المنافسين، حتى لو كانوا من أقرب الحلفاء. إن الهجوم على الصندوق السيادي السعودي، والشماتة في مواقف بروتوكولية، ودعم الأصوات المحرضة، كلها خيوط في شبكة واحدة تهدف إلى محاصرة الطموح السعودي. وفي نهاية المطاف، تكشف هذه الممارسات عن أزمة ثقة عميقة، وتؤكد أن الإمارات باتت ترى في القوة السعودية تهديداً لنفوذها، مما دفعها لتجنيد ترسانتها الإعلامية والذباب الإلكتروني في معركة “تكسير عظام” صامتة، تُدار من خلف الكواليس وبأدوات تفتقر لأدنى معايير الفروسية السياسية أو الأخوة الخليجية.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟