شهدت الساحة الفلسطينية مؤخراً إجراء انتخابات محلية في مدن وقرى الضفة الغربية، وفي خطوة لافتة، شملت العملية مدينة “دير البلح” بوسط قطاع غزة للمرة الأولى منذ 22 عاماً. 

ورغم الترقب الإعلامي والحقوقي لهذا الاستحقاق، إلا أن النتائج الرقمية لنسبة المشاركة جاءت لتطرح تساؤلات وجودية حول علاقة المواطن الفلسطيني بصندوق الاقتراع في ظل الظروف الراهنة. 

حيث بلغت نسبة الاقتراع في دير البلح نحو 22% فقط، بينما سجلت الضفة الغربية قرابة 53%، وهي أرقام تعكس هوة واسعة بين الطموح السياسي والواقع الميداني المعقد.

 تآكل الثقة في الجدوى السياسية والسيادية

يعود السبب الرئيس لهذا العزوف إلى قناعة متجذرة لدى الناخب الفلسطيني بأن المجالس المحلية، مهما بلغت كفاءة شخوصها، تظل مكبلة اليدين أمام واقع الاحتلال.

 في دير البلح والضفة، يرى المواطن أن “البلدية” لا تملك سلطة حقيقية على الأرض؛ فالموارد محكومة بالسيطرة الإسرائيلية، والتنقل محاصر بالحواجز، والقرارات الكبرى تُصنع بعيداً عن إرادة الناخب.

لقد فقد الشارع الفلسطيني الثقة في قدرة هذه الانتخابات على إحداث تغيير ملموس في حياته اليومية. فالمواطن الذي يرى الاحتلال يتحكم في تفاصيل حياته من الماء والكهرباء وصولاً إلى حرية الحركة، يرى في الانتخابات “إدارة للوضع الكارثي القائم” بدلاً من تفكيكه، مما حول الصندوق من أداة للتغيير إلى وسيلة لتثبيت واقع العجز.

أولوية البقاء فوق المشاركة السياسية

لا يمكن فصل السلوك الانتخابي عن الواقع المعيشي الطاحن. في دير البلح، يعيش السكان تحت وطأة حصار ممتد وتبعات حرب إبادة جماعية لم تبقِ شجراً ولا حجراً. وفي الضفة، تقطع الأوصال بالاقتحامات اليومية والقيود الاقتصادية. هذه الظروف جعلت من “تأمين لقمة العيش” هي المعركة اليومية الوحيدة التي يخوضها الفلسطيني.

عندما تنحصر تطلعات الإنسان في الحصول على “كيس طحين” أو “توفير ماء صالح للشرب”، تصبح البرامج الانتخابية والوعود بالتطوير العمراني نوعاً من الترف الفكري الذي لا يلامس الوجع الحقيقي. إن انشغال المواطن بتأمين أساسيات الحياة في ظل الفقر والبطالة والدمار، جعل الاهتمام بالعملية السياسية يتراجع إلى ذيل قائمة الأولويات.

ثقافة “التزكية” وقتل روح التنافس

أحد الأسباب المباشرة والميدانية لضعف الإقبال هو غياب التنافس الحقيقي. فقد أعلنت لجنة الانتخابات أن 197 هيئة محلية فازت بالتزكية، وهو رقم ضخم يعكس غياب التعددية أو عزوف الكفاءات عن الترشح. عندما يذهب الناخب وهو يعلم أن القوائم تم التوافق عليها مسبقاً في الغرف المغلقة، أو أن هناك قائمة وحيدة لا منافس لها، فإنه يفقد الحافز للتوجه إلى مراكز الاقتراع. التزكية قتلت “قيمة الصوت الواحد”، وحولت العملية من اختيار حر إلى مصادقة على قرارات فصائلية أو عشائرية جاهزة.

أزمة شرعية السلطة والرهان على المقاومة

تبرز هنا نقطة جوهرية تتعلق بموقف الشارع من السلطة الفلسطينية؛ فنسبة الـ 22% في دير البلح هي “صفعة سياسية” تؤكد أن السلطة فقدت الكثير من رصيدها الشعبي هناك. يرى أهالي قطاع غزة، رغم كل الويلات التي تجرعوها في الحرب، أن السلطة لم تكن قادرة على حمايتهم أو تقديم إغاثة حقيقية تليق بتضحياتهم.

في المقابل، هناك تحول واضح في المزاج الشعبي نحو دعم “خيار المقاومة” كبديل وحيد يمتلك القدرة على مواجهة الاحتلال.

بالنسبة للكثيرين، الانتخابات في هذا التوقيت هي “محاولة تجميلية” لمؤسسات متهالكة، بينما الواقع يفرض البحث عن سبل للصمود والمواجهة. العزوف هنا لم يكن سلبية، بل كان “فعل رفض” واعٍ للسلطة التي يُنظر إليها كشريك في إدارة الأزمة لا في حلها.

تأثيرات الحرب الإقليمية والتوترات الأمنية

لا يمكن إغفال المحيط الإقليمي المشحون، خاصة مع التهديدات والحروب المتبادلة في المنطقة، الفلسطيني يرى نفسه في قلب العاصفة، ومع استمرار حرب الإبادة في غزة، تصبح الأجواء السياسية مشحونة بالخوف والترقب. في مثل هذه الأجواء، ينصب التركيز الجمعي على “الأمن الشخصي” والبقاء الميداني. المشاركة في الانتخابات تتطلب استقراراً نفسياً واجتماعياً بالحد الأدنى، وهو ما يفتقده الفلسطيني تماماً في ظل دوي الانفجارات وأزيز الرصاص.

فقدان الثقة في الأشخاص والبرامج

عبر الكثير من المواطنين عن خيبة أملهم في الوجوه المتكررة التي تتصدر المشهد المحلي. القناعة بأن “من لم يخدمنا وقت الحرب، لن يخدمنا بعدها” أصبحت شعاراً للمرحلة. هناك شعور بأن من يسعى للمجلس المحلي يهدف لتحقيق مكاسب شخصية أو وجاهة اجتماعية، بينما يظل المواطن البسيط غارقاً في معاناته. هذا الفصام بين “النخبة المحلية” والقاعدة الشعبية أدى إلى اتساع الفجوة وتعميق قرار المقاطعة.

خاتمة: رسالة “الصندوق الفارغ”

إن ضعف الإقبال في الضفة الغربية، والانهيار التام في نسب المشاركة في دير البلح، ليسا مجرد أرقام إحصائية، بل هي “صرخة صامتة” يطلقها الفلسطيني. مفاد هذه الصرخة أن الشعب تجاوز مرحلة الوعود الشكلية والعمليات الديمقراطية المنقوصة تحت حراب الاحتلال.

لقد أثبتت هذه الانتخابات أن الشرعية لا تُستمد من صناديق اقتراع تُجرى في ظل انقسام وحرب، بل من القدرة على حماية الشعب وتوفير مقومات كرامته وصموده. إن خسارة السلطة المتكررة لثقة الشارع، خاصة في غزة، تؤكد أن الشعب يراهن اليوم على المقاومة وعلى تغيير جذري وشامل في بنية النظام السياسي الفلسطيني، وليس على “ترميم” مجالس محلية لا تملك من أمرها شيئاً. بدون أفق سياسي حقيقي وإنهاء للاحتلال، ستظل صناديق الاقتراع فارغة من أصوات الناس، وممتلئة برسائل احتجاجهم.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟