في خطوة تكرس سياسة التنكيل الممنهج وتكشف عن قمع أمني بلا سقف، تصاعدت حدة الحملة التي تقودها السلطات الإماراتية ضد معتقلي الرأي والمعارضين السياسيين. وتجلت هذه السياسة في اللجوء إلى “إعادة تدوير القضايا”، وتمديد فترات الاحتجاز قسرياً، وإصدار أحكام مؤبدة جديدة بحق نخبة من الناشطين، والأكاديميين، والمحامين، الذين أمضى معظمهم سنوات طويلة داخل السجون، بهدف رئيسي يتلخص في خنق أي صوت مستقل أو مطالب بالإصلاح السلمي.

وفي أحدث حلقات هذا التغول الأمني، أصدرت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية أحكاماً وصفت بالقاسية والجائرة ضمن القضية المعروفة إعلامياً بـ “الإمارات 84”، حيث تراوحت الأحكام بين السجن لمدة عشر سنوات والمؤبد بحق 43 متهماً، مقابل حكم براءة واحد فقط. 

وأعادت هذه المحاكمة إلى الواجهة ملف معتقلي “الإمارات 94” الذين اعتقلوا منذ عام 2012 على خلفية مطالبات سياسية سلمية ودعوات لتوسيع الحريات العامة.

ويرى حقوقيون أن هذه الأحكام الصادمة تؤكد انتقال النظام الإماراتي إلى مرحلة “الاحتجاز المفتوح”، عبر إعادة المحاكمة بالتهم ذاتها تقريباً وبصياغات قانونية فضفاضة، لمنع الإفراج عن المعتقلين حتى بعد انتهاء محكومياتهم الرسمية.

شهادات من الداخل: القانون لعبة بيد النظام والتفاف لإدامة السجن

وفي هذا السياق، وصف وكيل النيابة الإماراتي السابق، محمد بن صقر الزعابي، القضية بأنها “سياسية بامتياز ولا علاقة لها بالقانون”، مؤكداً في تصريحات نقلها مركز مناصرة معتقلي الإمارات أن المتهمين حوكموا سابقاً على الأفعال نفسها، وقضوا عقوباتهم كاملة، بل إن بعضهم أمضى فترات إضافية خلف القضبان بعد انتهاء أحكامهم دون أي مسوغ قانوني. وأضاف الزعابي أن ما يحدث هو محاولة بائسة لإضفاء غطاء قانوني شكلي على انتهاكات صارخة تمارسها السلطة بحق معتقلي الرأي، مستطرداً بالقول:

“إن القانون في الإمارات أصبح لعبة بيد النظام، وتستخدم السلطات القضاء كواجهة لإخفاء الطبيعة السياسية الانتقامية للقرارات الأمنية”.

وبرزت في هذا الإطار “مراكز المناصحة” كواحدة من أكثر الأدوات التنكيلية إثارة للجدل؛ إذ تستخدمها السلطات كذريعة لإبقاء المعتقلين داخل السجون تحت مسمى “التأهيل الفكري” أو “الخطورة المحتملة”. ويؤكد ناشطون حقوقيون أن هذه المراكز ليست سوى وثيقة مقنّعة للاعتقال الإداري المفتوح، ابتكرها النظام للاستفادة من تجارب الاحتجاز القسري بلا سقف زمني أو محاكمات حقيقية، مما يمثل التفافاً صارخاً على أبسط مبادئ العدالة وسيادة القانون.

قائمة الشرف تحت وطأة التنكيل: استهداف الرموز والأكاديميين

ولم تسلم القامات الفكرية والحقوقية في البلاد من آلة القمع الرهيبة؛ حيث تضم قائمة المحكومين بالمؤبد والسجن الطويل شخصيات بارزة ارتبطت أسماؤها بالدفاع عن الحقوق والحريات، ومن أبرزهم:

  • الدكتور سلطان بن كايد القاسمي (أكاديمي بارز ومطالب بالإصلاح).
  • الناشط الحقوقي أحمد منصور (الحائز على جوائز دولية في حقوق الإنسان).
  • الأكاديمي الدكتور ناصر بن غيث، إلى جانب عشرات المحامين والقضاة والأطباء.

ولا تتوقف حدود الانتهاكات عند جدران الزنازين، بل تمتد لتشمل عقوبات جماعية وانتقامية مفروضة على عائلات المعتقلين وأسرهم. وتؤكد تقارير حقوقية متطابقة أن أهالي السجناء يتعرضون لضغوط معيشية وأمنية مستمرة، تشمل: سحب الجنسيات، والمنع من السفر، والحرمان من حق العمل، والتعليم، والعلاج، فضلاً عن تعطيل وثائقهم الرسمية وإخضاعهم لمراجعات واستجوابات دورية لدى جهاز الأمن. كما أشار مراقبون إلى تعرض بعض المقيمين للابتزاز ومصادرة المصالح التجارية إذا ما تجرأوا على الحديث عن تلك الانتهاكات.

تناقض صارخ: تسويق التسامح الخارجي وقمع وحشي في الداخل

يحذر باحثون من أن دولة الإمارات باتت تقدم نموذجاً بوليسياً خطيراً في المنطقة يقوم على الإلغاء التام للفاصل بين القرار القضائي والقرار السياسي، وتحويل محاكم الدولة إلى فروع تابعة للأجهزة الاستخباراتية.

ويبرز هذا الواقع حجم التناقض الصارخ والنفاق السياسي لإمارة تحاول تسويق نفسها دولياً وفي المحافل الغربية كـ “واحة للانفتاح والتسامح والتعايش”، بينما يثبت واقعها الحقوقي الداخلي أنها تدار بقبضة أمنية حديدية تسحق التعددية وتستأصل أي فكر حر. ومع تصاعد الانتقادات الدولية وتجاهل أبوظبي المتكرر للتوصيات الأممية، يبدو جلياً أن النظام الإماراتي بات يتعامل مع الإدانات الدولية كأزمات إعلامية عابرة يمكن احتواؤها عبر صفقات السلاح، والنفوذ المالي، والعلاقات الاقتصادية، متجهاً بالبلاد نحو ترسيخ واقع السجن المفتوح والاستبداد الدائم.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين