في قضية تختصر مأساة عائلات المعارضين المصريين في الخارج، تواجه الناشطة المصرية مريم محمد السيد عبد الباسط (31 عاماً) خطر الترحيل القسري من سلطنة عُمان إلى مصر، بعد أن سبقها زوجها إلى المصير ذاته منذ أكثر من شهر ونصف، ليصبح في عداد المختفين قسرياً.

ولادة خلف القضبان.. رضيع عمره أيام وأم “سجينة” داخل مستشفى

في الخامس والعشرين من مايو الجاري، وضعت مريم مولودها أنس داخل مستشفى المدينة الطبية للأجهزة العسكرية في عُمان، وفق ما وثّقته مؤسسة دعم القانون والديمقراطية الحقوقية. غير أن لحظة الولادة لم تكن لحظة فرح عادية؛ إذ سُجّلت الأم بصفة “سجينة” داخل المنشأة الطبية، وحُرمت فعلياً من حريتها دون أي أساس قانوني معلن.

اليوم، تجد مريم نفسها أماً لثلاثة أطفال صغار: الرضيع أنس الذي لم يتجاوز عمره أياماً معدودة، والطفل يوسف (سنة ونصف)، والطفلة لينا (ثلاث سنوات). ثلاثة أطفال في عمر الزهور يواجهون احتمال أن يفقدوا أمهم كما فقدوا أباهم من قبل.

القصة من البداية.. اعتقال في مارس وترحيل في أبريل

تعود بدايات القضية إلى السادس والعشرين من مارس 2026، حين أوقفت السلطات العُمانية الزوج أحمد موسى (38 عاماً) بعد استدعائه من مقر عمله، واحتجزته في سجن مدني دون إخطاره بأي قرار قضائي أو تمكينه من الطعن، وفق ما أكدته المؤسسة الحقوقية. ولم يُسمح له سوى بزيارة واحدة قبل أن يبلَّغ بقرب الإفراج عنه.

لكن المفاجأة كانت في التاسع من أبريل 2026، حين تلقّت الأسرة اتصالاً منه من مطار مسقط يبلغها بأنه يُرحَّل قسرياً إلى القاهرة. تمّت عملية الترحيل بناءً على إبلاغ شفهي بوجود طلب عبر “الإنتربول”، دون تسليم أي قرار مكتوب أو وثيقة رسمية للأسرة. ومنذ تلك اللحظة، انقطعت أخباره تماماً، ليدخل في عداد المختفين قسرياً.

حظر سفر واستجواب بلا محامٍ.. ومنع من مغادرة السلطنة

بعد أيام قليلة من ترحيل زوجها، تعرّضت مريم لسلسلة من الإجراءات المقيِّدة. ففي الخامس عشر من أبريل 2026، مُنعت من السفر من مطار مسقط رغم أنها كانت في شهرها الثامن من الحمل، وبلا عائل بعد توقيف زوجها. وأُبلغت شفهياً بأنها مدرجة على قوائم “الإنتربول”، دون أن تتسلّم أي مستند رسمي.

وخضعت مريم لاستجوابين متتاليين يومَي الخامس عشر والسادس عشر من أبريل، دون السماح بحضور محامٍ، وأُبلغت بإمكانية ترحيلها إلى مصر إن غادرت السلطنة. كما أُدرجت في القضية رقم 1871 لسنة 2026، في خطوة تكشف عن مسار قانوني يبدو أنه يُهيَّأ لتسليمها.

تهديدات وتشهير.. ومحامٍ دولي يقدّم شكوى للإنتربول

لم تقتصر معاناة مريم على الإجراءات الرسمية، إذ تعرّضت لتهديدات خطيرة عبر مجموعة مغلقة على تطبيق تليجرام، نُشرت فيها صور وبيانات شخصية لمعارضين مصريين في الخارج، مرفقةً برسائل تهديد صريحة. وتضمّنت التهديدات خطاباً تشهيرياً ذا طابع جندري، يعكس نمطاً متكرراً من العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد الناشطات.

في مواجهة ذلك، تقدّم محاميها المختص بالقانون الدولي بن كيث بشكوى إلى لجنة الرقابة على ملفات الإنتربول (CCF) في الخامس من مايو 2026، مطالباً بوقف ما وصفه بـ“إساءة استخدام آليات الإنتربول” في ملاحقة المعارضين السياسيين.

قراءة في السياق.. هل تنضمّ عُمان لمسار تسليم المعارضين؟

تأتي قضية مريم وأحمد لتطرح سؤالاً مقلقاً عن الموقف العُماني، التي طالما عُرفت تاريخياً بسياسة الحياد ورفض تسليم المعارضين السياسيين. فترحيل أحمد موسى يمثل سابقة لافتة، خاصة أنه تمّ دون أوراق رسمية مكتفياً ببلاغ شفهي، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى الضغوط التي مارستها القاهرة في هذا الملف.

منظمات حقوقية اعتبرت أن استمرار هذه الإجراءات “يمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدول بالقانون الدولي وحقوق الإنسان”، محذّرةً من أن توظيف آليات الإنتربول في ملفات الرأي والمعارضة السياسية يهدّد بتحويل أدوات يفترض أن تكون لملاحقة الجرائم العابرة للحدود إلى أدوات لقمع المعارضين.

تحليلياً: تكشف هذه القضية عن نمط متصاعد يتجاوز حالة فردية إلى ظاهرة منهجية، تتداخل فيها الضغوط الحكومية الإقليمية مع توظيف الآليات الدولية. والسؤال الذي يطرح نفسه: إلى أي مدى يمكن للملاذات الآمنة التقليدية أن تصمد أمام شبكة الملاحقة المتمددة؟ ومن يحمي عائلات لجأت إلى دول خليجية ظنّاً منها أنها بمنأى عن الذراع الأمنية الطويلة؟

مناشدات متصاعدة.. والسلطنة أمام اختبار إنساني

تتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي مناشدات حقوقية وإنسانية تطالب السلطات العُمانية بالإفراج الفوري عن مريم، ووقف أي خطوات قد تؤدي إلى ترحيلها قسرياً إلى مصر، تجنّباً لتعريضها لانتهاكات خطيرة على غرار ما يُرجَّح أنه يحدث لزوجها.

وتُطالب المؤسسات الحقوقية بالسماح للأسرة بالمغادرة إلى بلد ثالث آمن يضمن لها الحياة الكريمة بعيداً عن الخطر والملاحقة، في لحظة يقف فيها رضيع لم يكمل أسبوعه الأول، وشقيقاه الصغيران، على حافة فقدان آخر سند تبقّى لهم.