فضحت منظمة العفو الدولية حملة القمع السلطوية الواسعة النطاق التي شنتها سلطات دولة الإمارات العربية المتحدة ضد كافة مظاهر التعبير المرتبطة بالتوترات العسكرية والحروب الإقليمية، لا سيما الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران والهجمات المتبادلة بالصواريخ والمسيرات التي طالت العمق الخليجي. وبحسب تقرير المنظمة، فقد استخدم النظام في أبوظبي نهجه الاستبدادي المعتاد القائم على “القبضة الحديدية” للسيطرة المطلقة على تدفق المعلومات وتكميم الأفواه، مستنداً إلى قوانين فضفاضة ومبهمة للجرائم الإلكترونية ومكافحة الإرهاب، في مسعى مستميت لحماية صورته الاقتصادية والسياسية البراقة كملاذ آمن وزجاجي، عبر إجراءات تعسفية تتجاوز بكثير ما يسمح به القانون الدولي.

وأكدت المنظمة أن جهاز أمن الدولة الإماراتي أصدر في 3 مارس/ آذار الماضي توجيهات صارمة تحظر على السكان (مواطنين ومقيمين) تصوير أو نشر أو تداول أي محتوى متعلق بالضربات الأمنية والعسكرية، متذرعاً بالمخاوف الأمنية. وأسفرت هذه التوجيهات الفاشية عن تنفيذ حملة اعتقالات مسعورة واحتجاز تعسفي طالت ما لا يقل عن 375 شخصاً في غضون أسابيع قليلة، جرى اتهامهم رسمياً بنشر وتداول مقاطع فيديو (حقيقية أو مفبركة) ترصد الانكسار الأمني والضربات الجوية، وهي أفعال لا تشكل أي جريمة بموجب القوانين الدولية التي تحمي حرية الصحافة والتعبير.

تفتيش الهواتف من منزل إلى منزل واعتقال الرعايا الأجانب

وكشف تقرير منظمة العفو الدولية عن فصول بالغة الخطورة من سلوك الدولة البوليسية في الإمارات؛ حيث رصدت المنظمة قيام عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية بعمليات تفتيش قسرية للهواتف المحمولة من منزل إلى منزل في المناطق والأحياء التي تأثرت بضربات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، للتأكد من عدم تسريب أي مقاطع توثق الفشل الأمني. وفي حادثة بارزة جرت في 20 مارس/ آذار، أعلنت شرطة أبوظبي عن اعتقال 109 أشخاص من جنسيات مختلفة بدعوى تصوير مواقع الأحداث ونشر محتوى يتضمن “تمجيد دولة معادية وقيادتها السياسية والعسكرية”، كما وردت تقارير مؤكدة عن احتجاز عشرات المواطنين البريطانيين في الإمارات للسبب ذاته، وحجب وتعطيل عشرات الحسابات الإعلامية البارزة التي شاركت مقاطع الفيديو.

ولم تكتفِ سلطات أبوظبي بالقمع الداخلي، بل ماردت ضغوطها لتكميم الفضاء الرقمي العالمي؛ حيث تقدمت السلطات الإماراتية بطلب رسمي لشركة “ميتا” (Meta) لتقييد الوصول إلى 18 حساباً إعلامياً بارزاً على منصتي فيسبوك وإنستغرام بسبب تغطيتها الإخبارية للصراعات الجيوسياسية الإقليمية. ورغم اعتراف شركة “ميتا” بأن المحتوى المنشور لا ينتهك معايير مجتمعها الرقمي ويقع في دائرة العمل الإعلامي، إلا أنها رضخت للضغوط والابتزاز الإماراتي وقيدت الوصول إلى تلك الحسابات داخل الدولة.

السقوط القانوني وتوظيف تشريعات الشائعات لشرعنة الاستبداد

وشددت المنظمة الدولية على أن تصوير المناطق المتأثرة بالضربات الجوية ونشر التقارير أو الآراء المتعلقة بالنزاعات هي أفعال تتمتع بالحماية الكاملة بموجب القانون الدولي لإطار الحق في حرية التعبير، ولا يجوز اتخاذها كركيزة للاعتقال أو الملاحقة الجنائية. وتستند أبوظبي في ممارساتها القمعية إلى قوانين محلية مشوهة صممت خصيصاً لحماية الحاكم، وفي مقدمتها المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، وهو قانون يضم نصوصاً فضفاضة تجرم مشاركة أي معلومات تعتبرها السلطة “مضللة” أو “مضرة بسمعة الدولة”، ويعمل جنباً إلى جنب مع قانون العقوبات لمنع أي انتقاد وتجريم أي رأي حر يقوض الصورة الزائفة لمؤسسات الدولة.

وفي الخلاصة، فإن التقرير الدامغ لمنظمة العفو الدولية يضع النظام الإماراتي في قفص الاتهام الحقوقي والسياسي، مبرهناً على أن شعارات “التسامح والانفتاح” التي تروج لها أبوظبي تسقط عند أول اختبار ميداني؛ إن ملاحقة الوافدين والسياح والمواطنين، واقتحام المنازل لتفتيش الهواتف، وحظر توثيق الحقائق العسكرية، يثبت أن عاصمة الزجاج تدار بعقلية الثكنة العسكرية المرعوبة من تداول الحقيقة. وستبقى هذه الهستيريا الأمنية والاعتقالات الجماعية دليلاً على الهشاشة البنيوية لنظام يحاول التغطية على ارتدادات مغامراته السياسية والعسكرية في المنطقة عبر تحويل البلاد إلى سجن رقمي كبير يُساق فيه كل من ينقل الواقع إلى زنازين أمن الدولة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين