قبل أن تنطلق صافرة البداية في كأس العالم 2026، لم تكن القصة الأبرز هي الملاعب أو المنتخبات أو الحضور الجماهيري، بل السؤال الذي بات يطارد البطولة: كيف تحوّل المونديال، الذي يفترض أنه أكبر مناسبة رياضية جامعة في العالم، إلى مساحة تستعرض فيها إدارة دونالد ترامب سياساتها العنصرية والمتشددة ضد القادمين من دول غير بيضاء، بينما تقف فيفا عاجزة أو صامتة أو متواطئة بالمجاملة؟

القضية لم تبدأ من نقاش نظري حول علاقة السياسة بالرياضة، بل من واقعة مباشرة وصادمة: الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، أحد أبرز حكام القارة الإفريقية والمختار لإدارة مباريات في كأس العالم، مُنع من دخول الولايات المتحدة قبل انطلاق البطولة، رغم أنه كان يحمل تأشيرة صالحة بحسب ما أعلنته فيفا، ليُحرم من المشاركة في أول مونديال يصل إليه حكم صومالي. السلطات الأمريكية قالت إن قرار المنع جاء بسبب “مخاوف تتعلق بالتدقيق الأمني”، بينما أكدت فيفا أنها لا تستطيع التدخل في قرارات الهجرة الخاصة بالدولة المضيفة.

لكن هذه الإجابة البيروقراطية لا تكفي. فحين تستضيف دولة كأس العالم، لا تستضيفه كحدث محلي مغلق يخضع لمزاجها الأمني والسياسي وحده، بل تستضيف حدثًا عالميًا يفترض أن تضمن فيه دخول اللاعبين والحكام والمسؤولين والإعلاميين والجماهير دون تمييز أو إقصاء تعسفي. لذلك تبدو واقعة أرتان أكثر من مجرد إجراء حدودي؛ إنها رسالة سياسية واضحة في بطولة يُفترض أنها تقوم على المساواة والانفتاح، فإذا بها تبدأ بإقصاء حكم إفريقي مسلم من دولة خاضعة أصلًا لسياسات ترامب العدائية تجاه الهجرة والدول الإفريقية والمسلمة.

الأخطر أن فيفا اختارت الاختباء خلف عبارة “لا نتدخل في إجراءات الهجرة”، وكأنها لم تكن قادرة يومًا على الضغط على الدول المنظمة عندما تريد. ففي مونديال قطر 2022، ساهمت فيفا في ترتيبات دخول جماهيرية واسعة عبر بطاقة “هيّا” التي عملت كبديل عملي لتسهيل دخول المشجعين، بينما تقف الآن أمام الولايات المتحدة وكأنها مجرد ضيف عاجز لا يملك أي سلطة على بطولة تبيعها للعالم بمليارات الدولارات. الفارق هنا ليس قانونيًا فقط، بل سياسي أيضًا: فيفا التي تعرف كيف تضغط على دولة في الجنوب العالمي، تبدو شديدة اللين أمام واشنطن وترامب.

ولم يكن منع الحكم الصومالي الواقعة الوحيدة. فقد برزت شكاوى من عراقيل واجهت بعثات ولاعبين ومشجعين من دول غير غربية، بينها إيران والعراق ودول إفريقية وآسيوية. الاتحاد الإيراني قال إن الولايات المتحدة ألغت حصة الجماهير الإيرانية من تذاكر مباريات المنتخب، وهي الحصة التي تمنح عادة للاتحادات المشاركة ضمن نظام فيفا، بينما بررت واشنطن ذلك بقيود العقوبات والمعاملات البنكية. كما تحدثت تقارير عن صعوبات في التأشيرات للطاقم الإيراني، وعن ترتيبات جعلت المنتخب لا يقيم داخل الولايات المتحدة بصورة طبيعية قبل مبارياته، بل يعتمد على الإقامة في المكسيك والتنقل يوم المباراة.

هذه الوقائع تكشف أن المشكلة ليست حالة فردية، بل نمطًا. فاللاعبون والمسؤولون القادمون من دول مصنفة سياسيًا أو عرقيًا ضمن دائرة الشك الأمريكية لا يدخلون البطولة كرياضيين فقط، بل كملفات أمنية. في المقابل، تمر بعثات دول أخرى بسهولة أكبر، بما يعيد إنتاج الخريطة نفسها التي بنى عليها ترامب خطابه السياسي: دول مرغوبة، ودول مشتبه بها؛ أجساد بيضاء تُعامل كضيوف، وأجساد غير بيضاء تُفتش وتُستجوب وتُؤخر وتُمنع.

ومن بين الوقائع التي أثارت غضبًا واسعًا، تعرضت بعثتا السنغال وأوزبكستان لتفتيش أمني مشدد، شمل أجهزة كشف ومعاملة مهينة بحسب انتقادات نُشرت عقب الواقعة، في مشهد بدا لكثيرين أقرب إلى عرض سياسي منه إلى إجراء أمني عادي. كما أُشير إلى تأخير لاعب سويسري مولود في الكاميرون، برييل إمبولو، ضمن نظام السفر الإلكتروني، وإلى استجواب مهاجم عراقي لساعات قبل السماح له بالدخول. ورغم اختلاف التفاصيل القانونية لكل حالة، فإن الصورة العامة واحدة: مونديال يُدار في ظل مناخ أمني يفرز الناس بحسب الأصل والجنسية واللون والسياسة.

هنا تحديدًا تتحول البطولة إلى منصة لترامب. فالرئيس الأمريكي لا يحتاج إلى خطاب رسمي داخل الملعب كي يفرض أجندته على كأس العالم؛ يكفي أن تُدار بوابات الدخول والمطارات والتأشيرات وفق فلسفته: التخويف من المهاجرين، معاقبة الدول غير المرغوبة، تقديم الأمن كذريعة للإقصاء، وتحويل الأجساد القادمة من إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا إلى موضوع اشتباه دائم. المونديال، في هذه الصيغة، لا يصبح احتفالًا عالميًا، بل معرضًا حيًا لسياسة حدودية عنصرية.

مسؤولية فيفا هنا لا تقل خطورة عن مسؤولية واشنطن. فالاتحاد الدولي لكرة القدم لم يدخل هذه البطولة من موقع الضحية، بل من موقع الشريك الذي منح الولايات المتحدة منصة ضخمة، ثم راح رئيسه جياني إنفانتينو يتقرب من ترامب بصورة غير مسبوقة. فيفا منحت ترامب “جائزة سلام” خلال قرعة كأس العالم 2026، وهي خطوة أثارت انتقادات وأسئلة حول حياد المنظمة، خاصة أن الجائزة قُدمت لرئيس بنى جزءًا كبيرًا من مشروعه السياسي على الكراهية ضد المهاجرين والمسلمين والسود واللاتينيين.

هذا التقارب لا يبدو تفصيلًا بروتوكوليًا. عندما يمنح رئيس فيفا ترامب جائزة سلام، ويظهر معه في مناسبات البطولة، ويقدم له رمزية المونديال كأنها جزء من زخرفة سلطته، فإن فيفا لا تفصل الرياضة عن السياسة، بل تختار أي سياسة تخدمها. إنها لا ترفض التسييس، بل ترفض فقط تسييس الضحايا والمضطهدين، بينما تفتح أبوابها لتسييس الأقوياء.

لطالما رفعت فيفا شعار أن كرة القدم توحد العالم، لكن اختبار الوحدة لا يكون في الإعلانات الترويجية، بل عند الحدود والمطارات وغرف التفتيش وقوائم التأشيرات. فإذا كان حكم إفريقي بارز لا يستطيع دخول البلد المضيف رغم اعتماده من فيفا، وإذا كانت جماهير دولة مشاركة تُحرم من حصتها، وإذا كانت بعثات غير غربية تُعامل بمنطق الاشتباه، فإن البطولة تفشل أخلاقيًا قبل أن تبدأ رياضيًا.

واللافت أن فيفا تعرف جيدًا كيف تتدخل عندما تهدد السياسة مصالح البطولة. في عام 1966، اضطرت إنجلترا، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية مع كوريا الشمالية، إلى السماح للمنتخب الكوري بالمشاركة بعد تأهله، تحت ضغط فيفا. أي أن المنظمة ليست عاجزة بطبيعتها، لكنها تختار متى تكون قوية ومتى تتظاهر بالعجز. أمام دولة أقل نفوذًا، تستطيع فيفا أن تفرض شروطها، أما أمام ترامب والولايات المتحدة، فتبدو كأنها فقدت صوتها.

المفارقة أن الخطاب الغربي الذي هاجم مونديال قطر لسنوات باسم حقوق الإنسان والعمال والحريات، يصمت الآن أمام بطولة تُدار في ظل تمييز حدودي واضح، وتضخم أسعار، وتشدد أمني، واستعراض سياسي لرئيس يميني متطرف. لا يعني ذلك تبرئة قطر من سجلها، لكن المقارنة تكشف الازدواجية: عندما تستضيف دولة عربية أو مسلمة بطولة عالمية، تُفحص أخلاقيًا من كل زاوية؛ وعندما تستضيفها أمريكا في عهد ترامب، تتحول العنصرية إلى “إجراءات سيادية” والهجرة إلى “مسألة داخلية” لا تريد فيفا الاقتراب منها.

أما القول إن السياسة يجب ألا تدخل الرياضة، فهو واحد من أكثر الشعارات نفاقًا في تاريخ الرياضة. السياسة كانت دائمًا في الملاعب: من أولمبياد برلين 1936، إلى المقاطعات الرياضية، إلى رفع الأعلام، إلى منع المنتخبات، إلى استخدام البطولات لتلميع الأنظمة. الفارق أن السياسة عندما تخدم السلطة تسمى “تنظيمًا” و“بروتوكولًا” و“ضمانات أمنية”، وعندما تكشف العنصرية أو تندد بالقمع تصبح “خلطًا بين الرياضة والسياسة”.

اليوم، يستخدم ترامب كأس العالم ليقول للعالم إن أمريكا التي يريدها هي أمريكا التي تملك حق فرز البشر عند الباب: من يدخل، ومن يُعاد، من يُصفق له، ومن يُفتش، من يُعامل كنجم عالمي، ومن يُعامل كتهديد أمني. وفي المقابل، تمنحه فيفا غطاءً مثاليًا: بطولة عالمية، كاميرات، ملاعب ممتلئة، ورئيس اتحاد دولي مستعد للمجاملة بدل المواجهة.

هذه ليست أزمة تنظيمية عابرة، بل سقوط أخلاقي جديد لفيفا. فمنظمة يفترض أنها تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم، وتزعم الدفاع عن المساواة وعدم التمييز، لا تستطيع أن تكتفي بالقول إنها لا تتدخل في قرارات الهجرة عندما تتحول تلك القرارات إلى أداة إقصاء داخل البطولة نفسها. فإما أن تكون كأس العالم بطولة عالمية بحق، أو تصبح مجرد حدث ضخم تستضيفه دولة قوية وتفرض عليه أجندتها العنصرية بينما يكتفي الاتحاد الدولي بعدّ الأرباح.

إن ما يحدث في مونديال أمريكا يكشف الحقيقة بوضوح: المشكلة ليست أن السياسة دخلت كرة القدم، بل أن فيفا سمحت لسياسة ترامب بالدخول من الباب الرئيسي، ثم تظاهرت بأنها لا تراها. وعندما يبدأ كأس العالم بإقصاء حكم صومالي، وتقييد جماهير إيرانية، وإرهاق بعثات غير غربية بالتفتيش والتأشيرات، فإن البطولة لا تحمل فقط كرة وشعارًا ورايات، بل تحمل أيضًا ختمًا سياسيًا واضحًا: مونديال تحت ظلال العنصرية.