تواجه دولة الإمارات مؤشرات ضغط اقتصادي مركبة وغير مسبوقة، تجلت في تراجع واضح لزخم سوق العمل وانحسار طفرة خطط التوظيف، بالتزامن مع تحديات جيوسياسية عاصفة وتراجع في الثقة الدولية؛ وتأتي هذه التطورات لتكشف بوضوح كيف ارتدت سياسات أبوظبي الإقليمية وتورطها في ملفات الحروب والنزاعات سلباً على بيئتها الاستثمارية، مما دفع قطاع الأعمال والشركات العالمية إلى الانتقال من مرحلة التوسع السريع إلى نهج شديد الحذر والانكماش جراء تصاعد المخاطر الأمنية وتأثيرات الحرب على سلاسل الإمداد والطاقة.
وأظهر “استطلاع آفاق التوظيف” الفصلي الحديث الذي أجرته مجموعة “مانباور غروب” وشمل 546 من أصحاب العمل في الإمارات، تراجعاً حاداً في توقعات التوظيف؛ حيث هبط صافي التوقعات إلى 17% فقط، وهو مستوى صادم يقل بكثير عن المتوسط العالمي البالغ 26%، ومتوسط منطقة الشرق الأوسط البالغ 28%؛ وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن 25% من الشركات الإماراتية باتت تتوقع تقليص وظائفها وتسريح العمالة خلال الربع الثالث من العام الجاري 2026، مما يعكس حالة ضبابية وعدم يقين خانقة تعصف بقطاع الأعمال.

انكماش الخدمات اللوجستية ومخاوف الأتمتة
وسجل قطاعا التجارة والخدمات اللوجستية التراجع الأبرز والأكثر خطورة داخل الدولة، حيث ارتفعت نسبة الشركات التي تخطط لتقليل العمالة والاستغناء عن الموظفين مقارنة بتلك التي تسعى للتوسع؛ وعلق برايان لورو، المدير الإقليمي لمجموعة “مانباور غروب” في الشرق الأوسط، بأن المشهد الإماراتي يمر بمرحلة تخطيط انتقائي منكمش يفرض على الشركات تقليص نفقاتها التشغيلية لمواجهة الظروف الاقتصادية والجيوسياسية الأكثر تعقيداً؛ وأكدت البيانات أن الشركات الصغيرة (أقل من 50 موظفاً) هي الأكثر تضرراً وتتجه نحو تصفية الوظائف لعدم قدرتها على تحمل كلفة الركود الحالي.
وتطابق هذا التراجع مع مؤشر مديري المشتريات الصادر عن مؤسسة “إس أند بي غلوبال” والذي أكد أن نمو التوظيف في القطاع الخاص غير النفطي الإماراتي يسير بأبطأ وتيرة له منذ أشهر طويلة؛ وتحت وطأة ضعف الطلب، وارتفاع الكلفة التشغيلية، واللجوء القسري للأتمتة لتخفيض النفقات، بات سوق العمل الإماراتي طارداً للعمالة الكفوءة؛ ورغم محاولات وكالات التصنيف مثل “موديز” تثبيت التصنيف السيادي، إلا أنها أطلقت تحذيرات صريحة من المخاطر المرتبطة بتعطل حركة التجارة والقطاعات الحساسة جراء التوترات العسكرية التي تضرب المنطقة.
ثروات مجمعة في يد إمارتين وغياب كامل للشفافية
وفي سياق متصل، فجّرت دراسة صادمة صادمة عن “المركز الخليجي للدراسات والنشر” تساؤلات كبرى حول هشاشة النموذج الاستثماري الإماراتي؛ فرغم امتلاك الدولة أصولاً استثمارية عامة ضخمة تتجاوز 3 تريليونات دولار، إلا أن الدراسة كشفت عن تفاوت هيكلي مرعب في توزيع القوة المالية بين الإمارات السبع، حيث تسيطر أبوظبي ودبي على معظم الأصول، بينما تعاني الإمارات الخمس الأخرى من تهميش مالي واقتصادي حاد يجعلها تابعة ومعتمدة كلياً على فتات المركزين الرئيسيين.
وانتقدت الدراسة بغضب غياب الشفافية الكامل والتعتيم المتعمد على أداء الصناديق السيادية الإماراتية، ونشر بيانات مضللة تخفي مستويات الربحية الحقيقية والمخاطر الضخمة؛ وسلطت الضوء على تجارب استثمارية فاشلة منيت بخسائر مليارية كارثية خلال السنوات الماضية جراء تقلب الأسواق العالمية وسوء إدارة المخاطر.
وخلص خبراء الاقتصاد إلى أن اعتماد الإمارات الكلي على الممرات البحرية الاستراتيجية الحساسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، يضع اقتصادها تحت رحمة أي اضطراب أمني طويل الأمد إن دفع الدولة نحو الدخول في محاور عسكرية وأمنية مشبوهة وتأجيج الصراعات، قد انعكس كابوساً على قطاعات النقل الشحن البحري، والسياحة، والخدمات المالية، لتجد الإمارات نفسها اليوم أمام حقيقة اقتصادية مريرة: حجم الأصول الورقية وضخامة الصناديق السيادية لا يمكنهما حماية الدولة من تبعات المغامرات السياسية التي هزت ثقة المستثمر الدولي وأدخلت أسواقها المحلية في نفق الركود المركب.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين