في خطوة جديدة تكشف عن محاولات فرض النفوذ المالي والعسكري خارج الأطر القانونية للدولة الليبية، تشهد مناطق جنوب ليبيا تصعيداً عسكرياً متسارعاً تقوده الوحدات التابعة لصدام حفتر ــ نجل خليفة حفتر والمتهم بجرائم حرب متعددة ــ في إطار إستراتيجية إجرامية تستهدف إحكام القبضة على الممرات الحدودية والطرق الصحراوية النائية التي تشكل شرياناً رئيساً لشبكات التهريب الدولي والتجارة غير المشروعة.
وتؤكد تقارير أمنية ودبلوماسية متطابقة لشهري يونيو ويوليو 2026 الحالي، أن هذه التحركات الميدانية الواسعة تجري بـتنسيق ودعم مالي ولوجستي مباشر من دولة الإمارات، التي تواصل دعم عائلة حفتر لبناء إمبراطورية اقتصادية موازية عبر تمكينها من فرض نفوذها المسلح على المعابر الصحراوية الممتدة مع تشاد والنيجر والجزائر، والاستحواذ على عوائد تهريب الذهب، والوقود، والأسلحة، وتجارة البشر.
السيطرة على “الحزام الذهبي” وممر “السلفادور” بدعم إماراتي
وركّزت ميليشيات صدام حفتر تعزيزاتها اللوجستية والعسكرية في عمق الصحراء الجنوبية، مستهدفة بشكل مباشر ما يُعرف بـ “الحزام الذهبي” الممتد من شمال تشاد إلى جنوب ليبيا؛ حيث شنت القوات عمليات دهم واعتقالات طالت مواطنين تشاديين لإحكام السيطرة على مناطق استخراج الذهب غير الرسمي والاستفادة من عوائده الضخمة لبناء شبكات ولاء قبلية جديدة.
كما وضعت الميليشيا المدعومة من أبوظبي أعينها على “ممر السلفادور” الإستراتيجي الواقع في أقصى الجنوب الغربي ليربط ليبيا بالنيجر والجزائر، وهو الممر اللوجستي الأخطر تاريخياً لتهريب الأسلحة والمخدرات وحركة الجريمة المنظمة، حيث يمنح التحكم فيه نفوذاً مطلقاً على موازين القوى في منطقة الساحل وشمال أفريقيا بالكامل.
ويرى محللون إقليميون أن الغطاء السياسي والعسكري الذي توفره دولة الإمارات لصدام حفتر أسهم بشكل مباشر في ترسيخ سلطة الميليشيات وإطالة أمد الانقسام الليبي؛ إذ أثبتت تقارير خبراء الأمم المتحدة ومنظمات دولية استمرار تدفق الأسلحة والأنظمة الدفاعية الإماراتية لصالح هذا المعسكر في خرق صارخ لقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن حظر التسلح.
صراع النفوذ القبلي وإمداد ميليشيا الدعم السريع
وتتزامن هذه التحركات مع منافسة شرسة ومقاومة تبديها قوى محلية وفصائل مسلحة من قبائل “التبو” ذات النفوذ التاريخي على الحدود، بقيادة محمد وردوجو (رئيس غرفة عمليات التحرير الجنوبية)، في ظل إدراك مختلف الأطراف أن السيطرة على الصحراء لا تكتمل إلا بكسب ولاءات المجتمعات المحلية التي تدير مسارات القوافل العابرة للحدود.
وبالإضافة إلى السعي وراء الثراء غير المشروع وتأمين التمويل الذاتي، كشفت تقارير دولية صادرة عن منظمات رقابية مثل “ذا سينتري” (The Sentry) وموقع “ميدل إيست آي” البريطاني في يوليو 2026، عن بُعد إقليمي خطير لهذه السيطرة؛ حيث أثبتت التحقيقات أن عائلة حفتر تستخدم هذه المعابر والطرق البرية الجنوبية كقاعدة خلفية وشريان إمداد حيوي لتهريب الوقود والأسلحة والذخائر والمسيّرات الملقاة في القواعد الشرقية إلى ميليشيا الدعم السريع (الجنجويد) في السودان برعاية وتمويل إماراتي كامل، مما يحول الجنوب الليبي إلى منصة إقليمية لتغذية الحروب والتطهير العرقي في دول الجوار.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال