تحول معبر رفح، المنفذ البري الأهم لقطاع غزة إلى العالم الخارجي، من بوابة يفترض أن تنقذ المرضى والجرحى إلى أداة حصار وانتقاء للموت، في ظل آلية تشغيل شديدة التقييد لا تسمح إلا بخروج عشرات الحالات يومياً، بينما ينتظر أكثر من 18 ألف مريض وجريح فرصة الإجلاء الطبي خارج القطاع المنهك بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية وتدمير المستشفيات والمنظومة الصحية.

وتكشف أرقام حركة المعبر عن فجوة صادمة بين حجم الكارثة وعدد المسموح لهم بالمغادرة؛ إذ لم يغادر عبره يوم الخميس 16 يوليو/تموز 2026 سوى 102 شخص، بينهم 40 مريضاً و62 مرافقاً، بينما سُمح بدخول 98 عائداً إلى قطاع غزة، في وقت أعيد فيه عدد كبير من المسافرين إلى منطقة الشيخ زويد المصرية بعد انتظار طويل وإجراءات معقدة.

ولا تمثل هذه الأعداد استجابة إنسانية حقيقية، بل إدارة بطيئة للموت؛ إذ يحتاج آلاف المصابين بأمراض السرطان والقلب والفشل الكلوي، إلى جانب جرحى القصف والمجازر، إلى علاج غير متوافر داخل غزة بعد تدمير الاحتلال للمستشفيات ومنع دخول الأدوية والمعدات الطبية والوقود.

40 مريضاً فقط أمام قائمة تضم 18 ألف حالة

وبحسب جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، يتجاوز عدد المرضى والجرحى الذين ينتظرون الإجلاء الطبي 18 ألفاً، بينما لم يتمكن سوى نحو 700 مريض من مغادرة القطاع لتلقي العلاج منذ إعادة فتح معبر رفح بصورة محدودة في 2 فبراير/شباط 2026.

وتكشف هذه الأرقام أن الآلية الحالية قد تحتاج إلى سنوات لإجلاء الموجودين على قوائم الانتظار، حتى بافتراض عدم إضافة مصابين ومرضى جدد، وهو أمر مستحيل في ظل استمرار القصف الإسرائيلي وسقوط مزيد من الضحايا يومياً.

وحذر المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، رائد النمس، من أن وتيرة الإجلاء الحالية لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الاحتياجات الطبية المتزايدة، مؤكداً أن كل يوم تأخير يعني تدهور حالات جديدة وفقدان مرضى كان من الممكن إنقاذهم.

وبذلك لا يموت المرضى فقط تحت القصف، بل يفقدون حياتهم أيضاً بسبب المنع والتأخير وحرمانهم من حق العلاج، في صورة أخرى من صور الإبادة التي لا تحتاج إلى صاروخ مباشر، بل إلى قائمة انتظار مغلقة وموافقة أمنية قد لا تصل أبداً.

الاحتلال يفحص الأسماء ويقرر من يخرج للعلاج

تبدأ آلية السفر من لجنة التحويلات الطبية التابعة لوزارة الصحة في غزة، التي تتولى تصنيف الحالات الحرجة والطارئة، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والهلال الأحمر الفلسطيني.

وبعد إعداد القوائم، تُرسل أسماء المرضى والجرحى إلى الاحتلال الإسرائيلي والجانب المصري لفحصها أمنياً، ولا يُدرج على كشوفات السفر الأسبوعية إلا من يحصل على موافقة الطرفين، ثم ينتقل إلى قائمة انتظار أخرى وفق العدد المحدود المسموح له بالخروج.

وأكد مصدر في لجنة التحويلات الطبية أن آلاف المرضى يصطدمون بالرفض أو التأخير الإسرائيلي والمصري، ما يجعل القرار الطبي وحده بلا قيمة؛ فالطبيب قد يؤكد أن الحالة تحتاج إلى تدخل عاجل، لكن خروجها يبقى رهناً بموافقة أمنية وسياسية من جهات لا تتحمل مسؤولية علاجها.

ويمنح هذا النظام الاحتلال قدرة مباشرة على التحكم في مصير المرضى، رغم أنه الجهة التي دمرت المستشفيات وقتلت الطواقم الطبية ومنعت دخول العلاج، ثم بات يقرر أي ضحية يسمح لها بمغادرة القطاع وأيها يتركها لمواجهة الموت.

منظمة الصحة العالمية تنسق ولا تملك قرار السفر

يقتصر دور منظمة الصحة العالمية، وفق الآلية القائمة، على الدعم اللوجستي والتنسيق العملياتي والوساطة بين الأطراف، إلى جانب تنظيم نقل المرضى من المستشفيات داخل قطاع غزة إلى نقطة التجمع ثم إلى معبر رفح.

لكن المنظمة لا تملك صلاحية تجاوز الرفض الأمني أو فرض إجلاء الحالات الطبية، ما يجعل دورها محصوراً في إدارة حركة محدودة تخضع عملياً لشروط الاحتلال والقيود المفروضة على المعبر.

وبينما تتولى المنظمة تصنيف الحالات ونقلها وإعدادها للسفر، يمكن إسقاط اسم المريض أو تأجيله في أي مرحلة، حتى لو كان يعاني من السرطان أو إصابة خطرة أو فشل في أحد الأعضاء.

ويكشف هذا الخلل أن آلية الإجلاء الإنساني لا تُدار وفق الحاجة الطبية، بل وفق معادلة أمنية تتحكم فيها قوة الاحتلال، ما يحول العمل الصحي الدولي إلى مجرد حلقة إجرائية داخل منظومة حصار أوسع.

إذلال العائدين ومصادرة ملابسهم عند المعبر

ولا تقتصر معاناة معبر رفح على المرضى الممنوعين من الخروج، بل تمتد إلى الفلسطينيين العائدين إلى قطاع غزة، الذين يتعرضون لإجراءات تفتيش مهينة ومشددة قبل السماح لهم بالدخول.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها «عربي21»، باتت إجراءات التفتيش خلال الأيام الأخيرة أكثر قسوة، إذ تُصادر الملابس إذا تجاوز وزن الحقيبة 25 كيلوغراماً، ويُعامل أي كيس إضافي بوصفه حمولة زائدة، قبل التخلص منه أو منعه من الدخول.

ويصل العائدون إلى القطاع بعد فقدان كثير منهم منازلهم وممتلكاتهم، ثم يُمنعون حتى من إدخال احتياجاتهم الشخصية الأساسية، في ممارسة تعكس الإصرار على إبقاء الفلسطيني خاضعاً للتجريد والإذلال حتى عند عودته إلى أرضه.

كما لا يزال عدد من الفلسطينيين المرفوض دخولهم عالقين في منطقة الشيخ زويد المصرية منذ نحو 45 يوماً، ينتظرون السماح لهم بالعودة إلى غزة من دون جدول زمني واضح أو تفسير معلن لاستمرار منعهم.

معبر تحت هيمنة الاحتلال رغم وقوعه على حدود مصر

منذ احتلال الجيش الإسرائيلي الجانب الفلسطيني من معبر رفح في مايو/أيار 2024، فقد القطاع سيطرته الفعلية على المنفذ، وأصبحت حركة السفر والعودة مرتبطة بالترتيبات الأمنية التي يفرضها الاحتلال.

وسبق أن تعرض الجانب الفلسطيني من المعبر للقصف الإسرائيلي منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة، كما استهدف الاحتلال طرقه ومنشآته وعمال الصيانة، قبل أن يسيطر عليه عسكرياً ويحول المنطقة المحيطة به إلى ساحة عمليات.

وبينما يقع الجانب الآخر من المعبر تحت السيطرة المصرية، تظهر الآلية الحالية أن فتحه لا يتم بصورة سيادية كاملة، بل ضمن ترتيبات تمنح الاحتلال حق فحص الأسماء ورفضها والتحكم في الأعداد المسموح لها بالمرور.

ويثير استمرار هذه الآلية تساؤلات قاسية بشأن مسؤولية القاهرة عن قبول نظام يسمح للاحتلال بإحكام حصاره على مليوني فلسطيني، ويجعل خروج المرضى ودخول العائدين خاضعاً لموافقته.

ولا تعفي مسؤولية الاحتلال المباشرة عن الإبادة الأطراف الأخرى من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن استمرار معبر رفح بهذا الشكل المحدود، في وقت تستطيع فيه كل ساعة تأخير أن تصدر حكماً بالموت على مريض أو طفل أو جريح.

المرضى بين مستشفيات مدمرة وحدود مغلقة

دمّر الاحتلال جزءاً واسعاً من البنية الصحية في غزة، وأخرج مستشفيات ومراكز تخصصية عن الخدمة، وقتل واعتقل طواقم طبية، ومنع دخول معدات وأدوية أساسية.

ومع انهيار المستشفيات، أصبح الإجلاء الطبي إلى الخارج الخيار الوحيد لآلاف الحالات، لكن المعبر الذي يفترض أن يمثل مخرجاً للحياة بات يعمل بأعداد رمزية لا تقترب من حجم الحاجة.

وتشمل قوائم الانتظار مرضى السرطان المحتاجين إلى العلاج الكيميائي والإشعاعي، ومرضى القلب الذين يحتاجون إلى عمليات عاجلة، ومصابي الفشل الكلوي، والأطفال ذوي الحالات المعقدة، إلى جانب جرحى تعرضوا لبتر أو حروق أو إصابات تهدد حياتهم.

ومع كل تأخير، تتحول الحالة القابلة للعلاج إلى حالة حرجة، ثم إلى وفاة تُسجل وكأنها نتيجة طبيعية للمرض، رغم أنها في حقيقتها نتيجة مباشرة للحصار والمنع المتعمد من الوصول إلى العلاج.

إبادة لا تتوقف عند القصف

تظهر آلية معبر رفح أن حرب الإبادة الإسرائيلية لا تقتصر على المجازر والقصف والتجويع، بل تشمل أيضاً التحكم في فرص النجاة، وإبطاء الإجلاء الطبي، وفرض قوائم أمنية على المرضى، ومنع العائدين وإذلالهم.

فحين ينتظر 18 ألف مريض وجريح بينما يُسمح لعشرات فقط بالمغادرة، لا يعود الأمر خللاً إدارياً أو مشكلة لوجستية، بل يتحول إلى سياسة قتل بالتأخير.

وحين تكون الجهة التي قصفت المستشفيات هي نفسها التي تفحص أسماء ضحاياها وتقرر من يسمح له بالعلاج، يصبح المعبر جزءاً من منظومة الإبادة، لا ممراً إنسانياً لإنقاذ المدنيين.

ويضع استمرار هذه الآلية المجتمع الدولي والدول الوسيطة أمام مسؤولية مباشرة؛ إذ لا يكفي الإعلان عن إعادة فتح معبر رفح إذا بقي يعمل بأعداد رمزية وتحت رقابة الاحتلال، بينما يموت المرضى على قوائم الانتظار.

إن فتح المعبر الحقيقي لا يعني عبور عشرات الأشخاص أمام الكاميرات، بل إخراجه من قبضة الاحتلال، وإطلاق عملية إجلاء واسعة ومتواصلة لجميع الحالات الطبية، والسماح بحرية عودة الفلسطينيين وإدخال احتياجاتهم من دون إذلال أو ابتزاز.

وحتى يحدث ذلك، سيظل معبر رفح شاهداً على واحدة من أكثر صور الإبادة قسوة: آلاف البشر يرون باب النجاة أمامهم، لكن الاحتلال يبقيه موارباً بالقدر الذي يسمح باستمرار الموت لا بإنقاذ الحياة.