أعاد تجدد التصعيد العسكري بين جماعة الحوثي والسعودية فتح ملف التنافس السعودي الإماراتي داخل اليمن، وسط اتهامات وتحليلات تشير إلى استفادة أبوظبي من تعثر مسار التهدئة بين الرياض والحوثيين، في ظل تضارب أولويات الدولتين بشأن مستقبل اليمن وموانئه ومناطقه الاستراتيجية.

وكان الحوثيون قد أعلنوا، في 13 يوليو/تموز 2026، تنفيذ هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت مطار أبها الدولي جنوبي السعودية، بينما أعلنت السلطات السعودية اعتراض المقذوفات من دون تسجيل خسائر كبيرة. وجاء التصعيد بعد استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفداً حوثياً عائداً من طهران، وفق ما أوردته المادة المنشورة.

وأعاد التطور التوتر إلى الحدود السعودية اليمنية بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي، مهدداً تفاهمات خفض التصعيد التي قلصت المواجهات المباشرة منذ الهدنة الأممية عام 2022.

مزاعم بتحركات إماراتية غير مباشرة

نقل موقع «إمارات ليكس» عن تحقيق لمنصة «دارك بوكس» الاستخبارية، استند إلى مصدرين إقليميين وتقييمات غير معلنة، أن الإمارات عملت على تهيئة بيئة سياسية وأمنية تضعف فرص التوصل إلى اتفاق دائم بين السعودية والحوثيين، من خلال تحركات غير مباشرة وشبكات نفوذ داخل اليمن.

لكن المادة نفسها أقرت بعدم وجود وثائق أو أدلة علنية حاسمة تثبت أن أبوظبي خططت للهجمات الحوثية الأخيرة أو وجهتها، وهو ما يجعل هذه الاتهامات في نطاق التقديرات والتحليلات الاستخباراتية غير المؤكدة، وليس الحقائق المثبتة.

وبحسب الفرضية التي عرضها التحقيق، لا تسعى الإمارات إلى إشعال حرب إقليمية واسعة، وإنما قد تستفيد من توتر أمني محدود يرهق السعودية سياسياً واقتصادياً، ويعطل مساعيها للخروج من الحرب اليمنية، من دون أن تتعرض أبوظبي نفسها لهجمات مباشرة.

اختلاف الأولويات بين الرياض وأبوظبي

دخلت السعودية والإمارات الحرب في اليمن ضمن تحالف واحد عام 2015، إلا أن أولوياتهما تباعدت تدريجياً خلال السنوات التالية.

فقد ركزت الرياض على حماية حدودها الجنوبية وإنهاء الهجمات الحوثية على أراضيها، واتجهت إلى فتح قنوات تفاوض مباشرة وغير مباشرة مع الجماعة، سعياً إلى تسوية تقلل كلفة الحرب وتضمن أمنها الحدودي.

في المقابل، وسعت الإمارات نفوذها في المحافظات الجنوبية والساحلية، من خلال دعم تشكيلات عسكرية وسياسية محلية، في مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب قوات يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح. وأسهم هذا الدعم في تعزيز الحضور الإماراتي قرب الموانئ وخطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

وأنتج هذا التباين صراعاً غير معلن حول شكل الدولة اليمنية المقبلة، ومستقبل الوحدة أو الانفصال، والجهة التي ستسيطر على الموانئ والجزر والمناطق النفطية والاستراتيجية.

بقاء الأزمة يخدم شبكات النفوذ

يرى التحقيق أن استمرار حالة «اللاسلم واللاحرب» يمنح الإمارات مساحة أكبر للمحافظة على شبكات نفوذها العسكرية والسياسية في جنوب اليمن والساحل الغربي.

فأي تسوية شاملة بين السعودية والحوثيين قد تعيد ترتيب المشهد اليمني، وتفرض دمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات موحدة، أو تقلص استقلال القوى المحلية المدعومة من أبوظبي.

ومن هذه الزاوية، قد لا يكون استمرار التوتر هدفاً إماراتياً مباشراً، لكنه يظل، وفق التحليل، أكثر ملاءمة لمصالح أبوظبي من اتفاق سياسي شامل يعيد بناء سلطة مركزية يمنية قوية.

ومع ذلك، لا توجد أدلة علنية تثبت تورط المجلس الانتقالي أو طارق صالح أو شخصيات أخرى مقربة من الإمارات في التنسيق مع الحوثيين أو المشاركة في استهداف السعودية.

منافسة اقتصادية تتجاوز حدود اليمن

لا يقتصر التباعد بين السعودية والإمارات على الملف اليمني، بل يمتد إلى منافسة اقتصادية متزايدة حول الاستثمار والطيران والموانئ والخدمات اللوجستية واستضافة المقرات الإقليمية للشركات الدولية.

ويطرح التحقيق فرضية أن تدهوراً أمنياً محدوداً في السعودية قد يرفع تكاليف التأمين على المطارات والمنشآت الحيوية، ويؤثر في قرارات بعض المستثمرين وشركات الطيران، بما يمنح الإمارات أفضلية نسبية إذا بقيت بعيدة عن الاستهداف.

لكن حرباً واسعة في الخليج لن تكون في مصلحة أبوظبي، بسبب اعتماد اقتصادها على الاستقرار وحركة التجارة والسياحة والاستثمار، ولذلك تتحدث الفرضية عن الاستفادة من ضغط محدود، لا عن الرغبة في إشعال مواجهة مفتوحة.

علاقة معقدة بين الإمارات وإيران

أشار التحقيق أيضاً إلى طبيعة العلاقة المركبة بين أبوظبي وطهران؛ فإلى جانب الخلافات السياسية والنزاع بشأن الجزر الثلاث، حافظ الطرفان على علاقات تجارية واسعة وقنوات دبلوماسية وأمنية مستمرة.

وساعدت هذه القنوات الإمارات على حماية مصالحها الاقتصادية وتقليل احتمالات تعرضها لهجمات مباشرة خلال فترات التصعيد الإقليمي.

لكن لا توجد، بحسب المادة، أدلة منشورة تثبت أن أبوظبي استخدمت اتصالاتها مع طهران للتأثير على قرارات الحوثيين أو لدفعهم إلى مهاجمة السعودية.

المستفيد من انهيار التهدئة

تتمثل الوقائع المؤكدة في عودة الهجمات الحوثية على السعودية، وتجدد الخلاف بشأن الرحلات الإيرانية إلى صنعاء، واستمرار المنافسة السعودية الإماراتية في اليمن، وبقاء نفوذ أبوظبي من خلال حلفائها في الجنوب والساحل.

أما القول إن الإمارات تقود التصعيد أو تدير خطة لإفشال التهدئة، فلا يزال اتهاماً مبنياً على مصادر غير معلنة وتحليلات استخباراتية لم تقدم أدلة علنية قاطعة.

ومع ذلك، فإن السؤال السياسي يبقى قائماً: من المستفيد من انهيار أي اتفاق يعيد الاستقرار إلى اليمن وينهي سنوات الحرب؟

فالتسوية قد تمنح السعودية فرصة للخروج من نزاع مكلف، وتخفف معاناة اليمنيين، لكنها قد تهدد في الوقت نفسه شبكات النفوذ التي نشأت خلال الحرب، وتعيد فتح ملفات السيطرة على الموانئ والجزر والقوات المحلية.

وهنا يظهر جوهر التنافس بين الرياض وأبوظبي: السعودية تبحث عن حدود آمنة واتفاق يوقف الهجمات، بينما تركز الإمارات على تثبيت نفوذ طويل الأمد في جنوب اليمن وعلى امتداد البحر الأحمر. وبين المشروعين، يظل اليمن ساحة للصراع، ويبقى شعبه الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر.