تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن الأوضاع على متن حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن»، بعدما طالب أعضاء ديمقراطيون في الكونغرس البحرية الأمريكية بتقديم توضيحات عاجلة حول تقارير تتحدث عن نقص الغذاء، وتلوث المياه، وأعطال الصرف الصحي، وتدهور الحالة النفسية لأفراد الطاقم، وصولًا إلى الحديث عن محاولات انتحار بين بعض البحارة.
وتكشف التحركات البرلمانية أن المشكلة لم تعد شكاوى فردية من طاقم الحاملة، بل تحولت إلى قضية رقابية تتعلق بمدى قدرة البحرية الأمريكية على حماية آلاف العسكريين الذين يعيشون منذ أشهر في ظروف تشغيلية استثنائية.
وتضم الحاملة نحو 5 آلاف بحار وعنصر من مشاة البحرية، بينما تشير المعلومات المتداولة إلى أنها أمضت أكثر من 250 يومًا في مهمة انتشار، بينها أكثر من 200 يوم متواصل في البحر.
أكثر من 200 يوم بلا عودة إلى اليابسة
قال السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال إن مدة انتشار الحاملة أثارت مخاوف حقيقية بشأن سلامة أفراد الطاقم، مطالبًا البحرية بتوضيح التقارير المتعلقة بتلوث المياه وأعطال السباكة والظروف المعيشية الصعبة.
ولا تمثل الإقامة الطويلة في البحر مسألة لوجستية فقط، إذ تعني عمليًا أن آلاف البحارة يعيشون لعدة أشهر في مساحة مغلقة، مع ساعات عمل طويلة ونوم محدود وضغط نفسي مستمر وغياب الحياة الطبيعية.
ومع امتداد المهمة لأكثر من 250 يومًا، يصبح الإرهاق عاملًا مؤثرًا ليس فقط على الحالة النفسية للأفراد، بل أيضًا على قدرتهم على أداء مهام حساسة داخل واحدة من أكبر القطع العسكرية في البحرية الأمريكية.
حمامات بالعفن ومياه ساخنة مقطوعة
ودعا السيناتور روبن غاليغو إلى إرسال وفد من مجلس الشيوخ لإجراء زيارة رقابية للحاملة والوقوف مباشرة على ظروف أفراد الطاقم.
وتحدث غاليغو عن تقارير تتضمن:
- حمامات يغطيها العفن.
- انقطاع المياه الساخنة.
- ترشيد الوجبات.
- نقص الصابون.
- مراحيض معطلة.
- مشكلات في شبكات المياه والصرف الصحي.
- نوبات عمل تتراوح بين 12 و16 ساعة يوميًا.
- استمرار العمل لفترات طويلة دون أيام راحة منتظمة.
وتطرح هذه الصورة سؤالًا محرجًا للبحرية الأمريكية: كيف تصل الظروف المعيشية على متن حاملة طائرات نووية تكلف مليارات الدولارات إلى مستوى يضطر فيه أفراد الطاقم إلى القلق بشأن المياه والصابون والمراحيض؟
الطعام نفسه يدخل دائرة الأزمة
أحد أكثر الملفات حساسية يتعلق بالتقارير عن ترشيد الوجبات ونقص بعض المواد الغذائية.
فالحاملة التي تضم آلاف العسكريين تحتاج إلى سلسلة إمداد ضخمة ومستمرة، وأي اضطراب فيها يتحول سريعًا إلى ضغط إضافي على أفراد الطاقم.
ومع ساعات العمل التي تصل، وفق التقارير، إلى 16 ساعة يوميًا، يصبح توفير الغذاء الكافي مسألة تتعلق بالسلامة العملياتية نفسها، وليس فقط براحة البحارة.
فالعسكري الذي يعمل في بيئة تقنية شديدة التعقيد وهو يعاني الإرهاق أو نقص الغذاء يصبح أكثر عرضة للأخطاء، وهو ما قد تكون له تداعيات خطيرة على السفينة والعمليات التي تنفذها.
الصحة النفسية.. الملف الأخطر
غير أن الجانب الأكثر خطورة في القضية يتعلق بتدهور الحالة النفسية لأفراد الطاقم.
وتحدثت تقارير عن مشكلات حادة في الصحة النفسية ومحاولات انتحار بين البحارة، وهي ادعاءات تستدعي، إذا تأكدت، تحقيقًا يتجاوز الظروف المعيشية إلى طريقة إدارة الانتشار العسكري نفسه.
فالوجود المستمر في البحر لأشهر، والانفصال عن الأسرة، وساعات العمل الطويلة، والنوم غير المنتظم، وضغط العمليات العسكرية، كلها عوامل يمكن أن تتراكم وتدفع الأفراد إلى مستويات خطرة من الإنهاك النفسي.
لكن حجم المشكلة الفعلي وعدد محاولات الانتحار لم يُعلن رسميًا في المعلومات المتاحة، وهو ما يجعل المطالبات البرلمانية بالشفافية أكثر أهمية.
عائلات البحارة تريد معرفة موعد العودة
تزايد الضغط كذلك من عائلات العسكريين، التي تطالب البحرية بالكشف عن موعد عودة الحاملة إلى الولايات المتحدة بعد الانتشار الطويل.
ويمثل غياب جدول زمني واضح للعودة ضغطًا مضاعفًا على البحارة وعائلاتهم، خصوصًا بعد تجاوز المهمة الفترات المعتادة للانتشار.
ومن منظور عائلات الطاقم، لم تعد المسألة متعلقة بضرورة عسكرية مؤقتة، بل بمهمة مفتوحة النهاية لا يعرف أفرادها متى سيتمكنون من العودة إلى حياتهم وأسرهم.
حاملة بمليارات الدولارات.. وطاقم يعاني في الأساسيات
تكشف القضية تناقضًا لافتًا في صورة القوة العسكرية الأمريكية.
فحاملة «أبراهام لينكولن» تمثل واحدة من أكثر منصات الحرب تقدمًا في العالم، وتضم طائرات وأنظمة رادار ودفاعات ومنظومات قيادة واتصالات بالغة التطور.
لكن كل هذه التكنولوجيا تصبح بلا قيمة إذا كانت البنية البشرية التي تشغلها تعاني نقص الراحة والغذاء والمياه والخدمات الصحية.
والقوة العسكرية لا تُقاس بعدد الطائرات والصواريخ وحدها؛ بل بقدرة المؤسسة على الحفاظ على جاهزية الجنود الذين يستخدمونها.
الانتشار الطويل له ثمن
التقارير المتعلقة بـ«أبراهام لينكولن» تعيد فتح نقاش أوسع داخل الولايات المتحدة بشأن تكلفة إبقاء القوات البحرية في حالة انتشار شبه دائم حول العالم.
فمع تعدد الأزمات في الشرق الأوسط والمحيط الهادئ ومناطق أخرى، تحتاج واشنطن إلى حاملات طائرات جاهزة بصورة مستمرة، لكن هذا يعني في المقابل تمديد مهام آلاف البحارة وزيادة الضغط على السفن والطواقم.
وعندما تتجاوز فترات الانتشار حدودًا معينة، يبدأ الجيش نفسه في دفع ثمن هذه الاستراتيجية في صورة إنهاك الأفراد وتراجع الروح المعنوية ومشكلات الصحة النفسية والصيانة.
الكونغرس يريد أن يرى بنفسه
طلب إرسال وفد من مجلس الشيوخ إلى الحاملة يحمل دلالة خاصة.
فإذا تمت الزيارة، فلن تعتمد الرقابة على بيانات البحرية وحدها، بل سيتمكن أعضاء الكونغرس من الحديث مع أفراد الطاقم مباشرة ومعاينة أماكن المعيشة والخدمات.
وهذا قد يفتح الباب أمام تحقيق أوسع بشأن قرارات تمديد الانتشار، ومستوى الصيانة والإمداد، ومدى كفاية خدمات الصحة النفسية المقدمة للبحارة.
فالقضية لم تعد مجرد شكوى من حمام معطل أو وجبة ناقصة؛ عندما يقضي آلاف العسكريين أكثر من 200 يوم متواصل في البحر، وتظهر تقارير عن تدهور نفسي ومحاولات انتحار، تصبح المشكلة مرتبطة بطريقة إدارة واحدة من أهم أدوات القوة الأمريكية نفسها. وبينما تستطيع «أبراهام لينكولن» حمل عشرات الطائرات وتنفيذ عمليات عسكرية عبر آلاف الكيلومترات، يطرح الكونغرس اليوم سؤالًا أبسط وأكثر إحراجًا: هل تستطيع البحرية الأمريكية توفير حياة آدمية للخمسة آلاف شخص الذين يبقون هذه الحاملة في البحر؟