كشف تحقيق استقصائي موسع لشبكة ITV News البريطانية أن المرتزق الإسرائيلي-المجري أبراهام غولان، مؤسس شركة Spear Operations Group، أدار عام 2016 عملية مراقبة سرية على الأراضي البريطانية استهدفت الأكاديمي والناشط البريطاني أنس التكريتي، في وقت كان غولان يتلقى فيه ملايين الدولارات من الإمارات وينفذ عمليات لصالحها.

ولا يتوقف التحقيق عند مراقبة منزل التكريتي وتحركاته؛ إذ تكشف شهادات ومراسلات اطلعت عليها ITV أن أفرادًا مرتبطين بالعملية ناقشوا احتمال قتله، بينما حذرت الشرطة البريطانية التكريتي لاحقًا من وجود معلومات تشير إلى خطر على حياته. لكن التحقيق يشدد على نقطة مهمة: الأدلة تثبت أن غولان كان على كشوف التمويل الإماراتي ويقول إنه يعمل لصالح الإمارات، لكنها لا تثبت بصورة قاطعة ما إذا كانت عملية لندن قد صُممت بأمر مباشر من مسؤولين داخل الحكومة الإماراتية أم أن غولان اقترحها عليهم.

2_د.أنس التكريتي مؤسس ورئيس مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات في بريطانيا | مسلمون حول العالم

من حرب اليمن إلى شوارع لندن

بدأت القصة قبل وصول غولان إلى بريطانيا.

فبحسب ITV، استأجرت الإمارات شركة Spear Operations Group التي أسسها غولان، وهو جندي سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي ويحمل الجنسيتين الإسرائيلية والمجرية، وجمعت الشركة عسكريين غربيين سابقين لتنفيذ عمليات سرية في اليمن. ودفعت أبوظبي للشركة ملايين الدولارات.

كانت مهمة الفريق، وفق التحقيق، ملاحقة واستهداف شخصيات اعتبرتها الإمارات إرهابية أو مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

وأقر غولان نفسه سابقًا بوجود برنامج للاغتيالات المستهدفة في اليمن، وقال إن فريقه أدار البرنامج وإنه كان مصرحًا به من الإمارات ضمن التحالف. كما قال ديل كومستوك، وهو عنصر سابق في القوات الخاصة الأمريكية وعضو في فريق غولان، لـITV إنهم كانوا، عمليًا، يعملون كـ«جنود إماراتيين».

ومن أبرز العمليات التي تناولها التحقيق محاولة استهداف النائب اليمني إنصاف علي مايو عام 2015، عندما زرع فريق غولان متفجرات في المبنى الذي كان يعمل فيه. ونجا مايو من العملية، وأصبحت القضية لاحقًا موضوع دعوى مدنية في الولايات المتحدة.

Yemen'de BAE suikastleri-1: İsrailli patron ve ABD askerleri

الهدف الجديد: أنس التكريتي

بعد نحو عام انتقلت الأنظار من اليمن إلى بريطانيا.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، تواصل غولان مع مستشار بريطاني أطلقت عليه ITV اسمًا مستعارًا هو «فيكتور»، وسأله عما إذا كانت لديه قنوات للوصول إلى أنس التكريتي ومؤسسة قرطبة، وأرفق رابطًا لصفحة التكريتي وطلب إبقاء الأمر في نطاق بالغ السرية.

والتكريتي ناشط وأكاديمي بريطاني والرئيس التنفيذي لمؤسسة قرطبة البحثية في لندن، وشارك في جهود تفاوض ساعدت في إطلاق أكثر من 20 رهينة في أفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى ظهوره الإعلامي والسياسي في بريطانيا.

لكن أبوظبي كانت تنظر إليه بصورة مختلفة.

ففي عام 2014 وضعت الإمارات مؤسسة قرطبة ضمن قائمة المنظمات التي صنفتها إرهابية، إلى جانب مؤسسات بريطانية أخرى. وكانت مصادر تحدثت إليها ITV تربط موقف أبوظبي باعتقادها بوجود صلات بين المؤسسة والإخوان المسلمين، وهو ارتباط تنظيمي تنفيه المؤسسة.

واللافت أن الموقف البريطاني لم يكن مطابقًا للموقف الإماراتي؛ إذ خلصت مراجعة حكومية بريطانية عام 2015، وفق ITV، إلى عدم وجود دليل على تورط الإخوان المسلمين في نشاط إرهابي داخل بريطانيا، كما استمرت لندن في رفض الضغوط الإماراتية لحظر الجماعة.

لماذا يجب على الجالية العربية معاقبة حزب العمال د أنس التكريتي رئيس مؤسسة قرطبة يجيب

صور المنزل والسيارة والطريق إلى العمل

لم تكن عملية لندن مجرد بحث مكتبي عن التكريتي.

تكشف الملفات التي عرضتها ITV وجود صور لمنزله وسيارته، ومعلومات عن مقر عمله، وصور أقمار صناعية، وخرائط ومسارات محتملة لتحركه بين منزله ومكتبه، وصولًا إلى المدخل الذي يرجح استخدامه لدخول المبنى.

وبعد نحو عشر سنوات، عرض صحفيو ITV بعض هذه المواد على التكريتي.

وكان من بين الملفات صور لمنزله وسيارته السوداء أمامه، تحمل توصيفًا يشير إلى أنها منزل الهدف وسيارته.

وقال التكريتي إن طفليه في ذلك الوقت كانا في الثالثة ونحو عام ونصف فقط، وهو ما يوضح أن عملية المراقبة امتدت فعليًا إلى محيط الأسرة والمنزل.

50 ألف جنيه لاستدراج التكريتي.. ثم رفع العرض إلى 100 ألف

بحلول ديسمبر/كانون الأول 2016 وصل غولان إلى لندن، وأقام في فندق بولغاري الفاخر بمنطقة نايتسبريدج.

واجتمع هناك مع «فيكتور»، وكان برفقته عنصر سابق في القوات الخاصة الأمريكية.

وبحسب شهادة المستشار البريطاني، أخبره غولان بأنه يعمل مع الإمارات وأن أبوظبي تعتبر مؤسسة قرطبة والتكريتي تحديدًا مرتبطين بجهات متطرفة، وتحدث عن إنشاء عملية مراقبة في لندن.

ثم عرض غولان على «فيكتور» 50 ألف جنيه إسترليني مقابل مساعدته، قبل أن يرفع العرض إلى 100 ألف جنيه، على أن تمر الأموال عبر حساب خارجي وطرف ثالث.

وكان المطلوب أكثر خطورة من تقديم معلومات عامة.

فقد طلب غولان من المستشار استدراج التكريتي إلى لقاء في مكان مفتوح عبر الادعاء بأنه مؤلف يعد كتابًا عن جماعة الإخوان المسلمين، بالتزامن مع طلب المزيد من التفاصيل عن عنوانه ومقر مؤسسة قرطبة والأماكن التي يرتادها.

Yemen'de BAE suikastleri-1: İsrailli patron ve ABD askerleri

إشارة بالذبح.. هل كانت المراقبة تمهيدًا للاغتيال؟

هنا يصل تحقيق ITV إلى أخطر حلقاته.

خلال اجتماع ثانٍ، قال «فيكتور» إن الرجل الذي كان يعمل مع غولان بدأ يسأله عما يمكن أن يحدث إذا أصبح التكريتي… ثم توقف عن الكلام ومرر إصبعه على رقبته.

وفهم المستشار البريطاني من الإشارة أن العملية ربما تكون متجهة في النهاية نحو التصفية الجسدية لأنس التكريتي.

وبالنسبة إليه، لم يكن هذا الاحتمال قابلًا للتجاهل، خصوصًا أنه كان يعرف أن غولان وفريقه شاركوا بالفعل في عمليات استهداف في اليمن.

وبدأت مخاوف «فيكتور» تتزايد حتى قرر الانسحاب من العملية.

«الفريق كله في لندن»

غادر غولان بريطانيا في 14 ديسمبر/كانون الأول متوجهًا إلى واشنطن، لكن العملية -وفق رسائله- لم تنته.

فقد أرسل إلى «فيكتور» رسالة تفيد بأن العمل ينبغي أن يستمر لأن الفريق لا يزال في لندن وأن العملية ما تزال قائمة.

وقبل ذلك كان قد أرسل رسالة أخرى مثيرة للانتباه تحدث فيها عن أن «الحرب قادمة إلى أوروبا» وأنهم في بداية برنامج ضخم.

لا تستطيع ITV تحديد إلى أي مرحلة وصلت العملية بعد انسحاب المصدر، لكنها تؤكد أن غولان أظهر في رسائله تصميمًا على مواصلتها.

الشرطة البريطانية تحذر التكريتي: حياتك قد تكون في خطر

بعد العملية، حدث أمر لم يكن التكريتي يعرف علاقته بما جرى خلف الكواليس.

زارته الشرطة البريطانية في منزله مرتين وحذرته من وجود تهديد لسلامته، لكنها رفضت إخباره بمصدر الخطر أو طبيعته.

وتحدث الضباط معه عن Osman Notice، وهو تحذير يُقدم عندما تكون لدى السلطات معلومات كافية للاعتقاد بأن حياة شخص قد تكون معرضة للخطر.

وبقي التكريتي طوال سنوات لا يعرف خلفية التحذيرات.

فقط عندما عرضت ITV عليه رسائل غولان وملفات المراقبة، بدأ يرى الصورة التي لم تكن متاحة له عام 2016.

ملايين الدولارات من الإمارات

العنصر الذي يمنح التحقيق ثقله الأكبر هو المسار المالي.

تقول ITV إنها اطلعت على سجلات إماراتية سرية أُودعت بعد أسبوعين فقط من رحلة لندن، وأظهرت أن غولان كان يتلقى أموالًا من الإمارات طوال فترة عملية لندن، التي سبقتها قرابة شهر من التحضيرات واستمرت عدة أيام على الأرض.

وتكشف السجلات، بحسب الشبكة البريطانية، حصوله على مخصص سنوي من ستة أرقام، إلى جانب مكافآت ضخمة.

وقبل وصوله إلى لندن بأسابيع، تلقى غولان دفعة بقيمة مليون دولار مرتبطة بعملية سابقة ضد هدف في اليمن، بينما أظهرت الحسابات لاحقًا مدفوعات إماراتية له بلغت عدة ملايين من الدولارات خلال الأشهر السابقة.

وبذلك لا يقوم الربط بين غولان والإمارات على مجرد شهادة طرف واحد؛ بل يستند تحقيق ITV إلى سجلات مالية ومراسلات إلكترونية ورسائل واتساب وشهادات ومعلومات ميدانية.

السؤال الحاسم: هل أمرت أبوظبي بالعملية؟

هنا يجب التفريق بدقة بين ما أثبته التحقيق وما لم يثبته.

تقول ITV صراحة إن الأدلة التي جمعتها لا تثبت ما إذا كانت فكرة عملية لندن قد صدرت أصلًا عن مسؤولين داخل الحكومة الإماراتية، أم أن غولان هو الذي اقترحها عليهم بعدما عرف أن أبوظبي تعتبر التكريتي خصمًا.

لكن ما تعتبره الشبكة واضحًا هو أن غولان عندما وصل إلى لندن كان يتقاضى أموالًا من الإمارات، وكان يعتبر نفسه يعمل نيابة عنها، كما تشير رسائله أثناء العملية إلى أنه كان يعمل تحت شكل من أشكال التوجيه.

وهذا التفصيل مهم صحفيًا؛ لأن القول إن «الإمارات أمرت باغتيال التكريتي» يتجاوز ما أثبته التحقيق. أما القول إن مرتزقًا ممولًا إماراتيًا وله سجل في عمليات اغتيال لصالح أبوظبي أدار عملية سرية ضد التكريتي في لندن تضمنت مناقشة احتمال قتله فهو أقرب بدقة إلى الأدلة التي نشرتها ITV.

صمت إماراتي وغولان يرفض الإجابة

رفض أبراهام غولان تقديم رد تفصيلي على أسئلة ITV، واكتفى برسالة مقتضبة قال فيها إنه ليس لديه ما يصرح به، ثم أكد أنه غير مهتم بالتحدث إلى الشبكة.

كما لم يرد العنصر السابق في القوات الخاصة البحرية الأمريكية الذي كان برفقته في لندن على طلبات التعليق.

وبحسب ITV، لم تقدم سفارتا الإمارات في بريطانيا والولايات المتحدة ردًا على نتائج التحقيق، بينما قالت وزارة الداخلية البريطانية إن سياستها المستمرة هي عدم التعليق على المسائل الأمنية والاستخباراتية.

من اليمن إلى بريطانيا.. أين تنتهي حرب أبوظبي على خصومها؟

ما يجعل القضية أكبر من مجرد مراقبة ناشط بريطاني هو السياق الذي جاءت فيه.

فالشخص الذي ظهر في لندن لم يكن محققًا خاصًا عاديًا، وإنما قائد شبكة من العسكريين السابقين اعترف بإدارة برنامج اغتيالات في اليمن لصالح الإمارات، ثم ظهر بعد ذلك على الأراضي البريطانية وهو يستهدف شخصًا تعتبره أبوظبي خصمًا سياسيًا وأيديولوجيًا.

وفي الوقت نفسه كانت الإمارات وبريطانيا تعملان علنًا على توسيع علاقاتهما السياسية والاقتصادية؛ بل إن زيارة للأمير تشارلز آنذاك إلى أبوظبي جرت خلال الفترة نفسها تقريبًا التي كانت فيها التحضيرات للعملية السرية تتقدم في لندن.

وهنا تكمن الخطورة السياسية التي يطرحها تحقيق ITV: هل امتدت حرب أبوظبي ضد خصومها إلى أراضي دولة حليفة، عبر متعاقدين ومرتزقة يعملون في الظل؟

لا يقدم التحقيق دليلًا نهائيًا على أن الحكومة الإماراتية أصدرت أمرًا باغتيال التكريتي، لكن الصورة التي يكشفها ثقيلة بما يكفي: أموال إماراتية، مرتزق ذو سجل في الاغتيالات، عملية مراقبة منظمة في لندن، صور لمنزل الهدف وسيارته ومسارات تحركه، محاولة لاستدراجه، وحديث داخل الفريق فُهم على أنه احتمال لتصفيته جسديًا، ثم تحذير من الشرطة البريطانية بأن حياته قد تكون معرضة للخطر.

وبذلك تتحول القضية من قصة تجسس إلى سؤال عن السيادة البريطانية نفسها، وحدود ما يمكن لحليف مثل الإمارات أن يفعله – أو يموله – على الأراضي البريطانية تحت عنوان مواجهة خصومه السياسيين.