يطرح تحليل قانوني نشره موقع «جست سيكيوريتي» سؤالاً يتجاوز الاتهامات السياسية الموجهة إلى أبوظبي بشأن دعم ميليشيا الدعم السريع: هل يمكن أن يتحول هذا الدعم إلى مسؤولية قانونية دولية تتحملها دولة الإمارات نفسها عن بعض الانتهاكات المرتكبة في السودان؟
التحليل، الذي كتبته جيني مادوكس، المحاضِرة في القانون الدولي وقانون العمليات العسكرية بجامعة ريدينغ، يخلص إلى أن إثبات مسؤولية الإمارات عن جميع جرائم ميليشيا الدعم السريع يواجه عتبة قانونية مرتفعة، لكنه يفتح مسارات أخرى قد تكون أكثر قابلية للإثبات، خصوصاً فيما يتعلق بالمرتزقة الكولومبيين، وواجب منع الإبادة الجماعية، وحظر استخدام القوة ضد السودان.
دعم عسكري إماراتي تحت المجهر
ينطلق التحليل من أن ميليشيا الدعم السريع تلقت أهم مساعداتها العسكرية الخارجية من الإمارات، مشيراً إلى تزويدها بأسلحة ومسيّرات وذخائر استخدمت في عملياتها، بالتوازي مع تقارير عن دور إماراتي محوري في شبكة المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين قدموا دعماً للمليشيا وشارك بعضهم في عملياتها العسكرية.
وبحسب المادة، لم يقتصر دور هؤلاء الكولومبيين على القتال، بل شمل تشغيل المسيّرات والمدفعية والتدريب، وسط تقارير عن مشاركتهم في تدريب أطفال جرى استخدامهم في النزاع.
وهنا تنتقل القضية من سؤال سياسي حول من يدعم ميليشيا الدعم السريع؟ إلى سؤال قانوني أكثر خطورة: متى تصبح أفعال قوة مسلحة أو متعاقدين خاصين قابلة للإسناد إلى الدولة التي دعمتهم؟
لماذا يصعب تحميل أبوظبي جميع جرائم الدعم السريع؟
توضح مادوكس أن القانون الدولي يضع معياراً صارماً لإسناد كل أعمال كيان مسلح إلى دولة أخرى.
فلكي تصبح ميليشيا الدعم السريع، من الناحية القانونية، أشبه بـ«جهاز إماراتي بحكم الواقع»، يجب إثبات مستوى بالغ الارتفاع من الاعتماد والسيطرة، بحيث تكون المليشيا خاضعة لـ«سيطرة صارمة» وتعتمد بصورة شبه كاملة على الإمارات.
وترى الكاتبة أن الأدلة المتاحة علناً لا تصل حتى الآن إلى هذه الدرجة؛ إذ تمتلك ميليشيا الدعم السريع مصادر دخل وعلاقات ودعماً من أطراف أخرى، بما يمنحها قدراً من الاستقلالية يمنع، وفق المعيار القانوني الصارم، اعتبار كل ما ترتكبه المليشيا فعلاً إماراتياً بصورة تلقائية.
لكن ذلك لا يعني، كما يؤكد التحليل، سقوط المسؤولية المحتملة عن الإمارات.
هل أصدر إماراتيون أوامر للمليشيا؟
المسار الثاني يتعلق بما يعرف بـ«السيطرة الفعلية».
هنا لا يحتاج الأمر إلى إثبات أن ميليشيا الدعم السريع كلها جهاز تابع للإمارات، وإنما إلى إثبات أن مسؤولين إماراتيين أصدروا تعليمات أو مارسوا توجيهاً أو سيطرة على عمليات محددة ارتُكبت خلالها انتهاكات للقانون الدولي.
فإذا ثبت، على سبيل المثال، وجود ضباط إماراتيين مارسوا قيادة تكتيكية على عملية ارتكبت خلالها عمليات قتل جماعي للمدنيين، فقد يصبح من الممكن إسناد تلك الانتهاكات المحددة إلى الإمارات.
لكن التحليل يشدد على أن الأدلة العلنية المتاحة حالياً تثبت بصورة أقوى تقديم الأسلحة والأموال وأشكال الدعم العسكري، ولا تثبت بالمستوى القانوني المطلوب أن أبوظبي أمرت مباشرة بارتكاب جرائم بعينها.
المرتزقة الكولومبيون.. الحلقة الأخطر قانونياً
هنا يقدم التحليل المسار الأكثر حساسية بالنسبة إلى أبوظبي.
فبحسب المادة، عمل مئات العسكريين الكولومبيين السابقين إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، فيما تشير التقارير التي يستند إليها التحليل إلى ارتباط عملية استقدامهم بشركة «مجموعة خدمات الأمن العالمية» GSSG، ومقرها الإمارات، والتي تتمتع بصلات قوية بمسؤولين إماراتيين.
كما يشير التحليل إلى معلومات تفيد بأن الإمارات سهّلت انتقال الكولومبيين إلى السودان، وأن بعضهم ربما تلقى تدريباً على أيدي إماراتيين داخل قاعدة عسكرية في أبوظبي.
وتصبح المسألة القانونية أكثر أهمية بسبب التراخيص الإماراتية الممنوحة للشركة.
فإذا ثبت أن أبوظبي خوّلت الشركة أو المتعاقدين قانونياً أداء وظائف عسكرية في السودان، فقد تنطبق المادة الخامسة من مواد مسؤولية الدول، التي تسمح بإسناد تصرفات كيان خاص إلى الدولة عندما تفوضه بأداء وظائف ذات طبيعة حكومية.
والقتال والعمليات العسكرية، بحسب التحليل، تقع بوضوح ضمن الوظائف السيادية التي ترتبط عادة بالدولة.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
إذا ثبت أن الإمارات فوّضت هؤلاء المتعاقدين بدعم العمليات العسكرية لميليشيا الدعم السريع، ثم ارتكبوا أثناء تنفيذ هذه المهام انتهاكات للقانون الدولي، فقد تصبح هذه الانتهاكات قابلة للإسناد قانونياً إلى الإمارات نفسها.
ويضرب التحليل مثالين بالغَي الخطورة: تشغيل المسيّرات دعماً لهجمات تستهدف المدنيين، وتدريب الأطفال الجنود.
وفي هذه الحالة، لن تعود القضية مجرد اتهام للإمارات بـ«دعم طرف في الحرب»، وإنما قد تصبح أمام فعل غير مشروع دولياً يرتب على أبوظبي التزامات قانونية، من بينها وقف السلوك المخالف وتعويض الأضرار الناجمة عنه.
مسؤولية محتملة حتى دون إثبات السيطرة على المليشيا
الأهم في تحليل «جست سيكيوريتي» أن المسؤولية الإماراتية المحتملة لا تتوقف بالكامل على إثبات أن ميليشيا الدعم السريع تعمل بأوامر أبوظبي.
فالكاتبة تطرح مسارين إضافيين يتعلقان بسلوك الإمارات نفسها.
الأول هو احتمال الإخلال بواجب منع الإبادة الجماعية المنصوص عليه في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، خصوصاً مع استمرار الدعم في ظل ظهور مؤشرات وتحذيرات بشأن فظائع تحمل سمات الإبادة.
أما الثاني فهو احتمال انتهاك حظر استخدام القوة إذا ثبت أن الإمارات زودت ميليشيا الدعم السريع بالأسلحة وأشكال الدعم العسكري التي استخدمتها في أعمال عنف ضد السودان.
من الفاشر إلى الأبيض
تكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر مع التهديدات التي تواجه مدينة الأبيض، بعدما شهدت الفاشر عمليات قتل جماعي وعنفاً جنسياً وانتهاكات واسعة، بينما خلصت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، بحسب المقال، إلى أن أفعال ميليشيا الدعم السريع في الفاشر ومحيطها تحمل «سمات الإبادة الجماعية».
وهنا يصبح استمرار أي دعم خارجي للمليشيا مسألة تتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية، خصوصاً إذا كان الطرف الداعم يعلم بمخاطر تكرار الفظائع ومع ذلك يواصل تقديم وسائل تمكّن العمليات العسكرية.
أبوظبي أمام سؤال قانوني يتسع
الخلاصة التي يقدمها التحليل أكثر دقة من القول ببساطة إن الإمارات مسؤولة قانونياً عن كل جريمة ترتكبها ميليشيا الدعم السريع.
الأدلة المتاحة علناً لا تكفي، وفق الكاتبة، لإسناد جميع فظائع المليشيا مباشرة إلى الإمارات. وهذه نقطة مهمة لا ينبغي تجاوزها إذا أريد للتقرير أن يكون قانونياً متماسكاً.
لكن في المقابل، فإن ذلك لا يغلق ملف أبوظبي، بل ينقله إلى مساحات أخرى قد تكون أكثر خطورة: هل فوضت الإمارات المرتزقة الكولومبيين بأداء مهام عسكرية؟ هل ارتكب هؤلاء انتهاكات أثناء تنفيذها؟ وهل استمر الدعم الإماراتي رغم خطر الإبادة الجماعية؟ وهل بلغ تسليح قوة تقاتل الدولة السودانية مستوى انتهاك حظر استخدام القوة؟
إذا أثبتت التحقيقات والأدلة هذه العناصر، فلن تبقى الاتهامات الموجهة إلى الإمارات مجرد ملف سياسي في حرب السودان؛ بل قد تتحول إلى مسألة مسؤولية دولة بموجب القانون الدولي، بما يفتح الباب للمطالبة بوقف الانتهاكات وجبر الضرر والتعويض عن الأفعال التي يمكن إسنادها قانونياً إلى أبوظبي.