لم تكن الرسالة الخطية التي وجّهها محمد بن زايد إلى الملك سلمان بن عبد العزيز في أغسطس مجاملة بروتوكولية عابرة، ولا دعوة بريئة لحضور مؤتمر دولي كما حاولت الرواية الرسمية الإماراتية تصويرها. في التوقيت والسياق وطريقة الإرسال، كانت الرسالة ضربة سياسية مباشرة إلى محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية والرجل الذي تحتكر مؤسسات المملكة تقديمه باعتباره صاحب القرار الأول والأخير فيها.

اختار بن زايد أن يتجاهل ولي العهد، وأن يخاطب والده البالغ من العمر تسعين عاماً، رغم أن الملك سلمان نادراً ما يسافر إلى الخارج، ولم يقم برحلة علنية معروفة منذ مشاركته في القمة العربية بتونس عام 2019. أما محمد بن سلمان، فهو الذي يمثل المملكة في المحافل الدولية، ويستقبل الزعماء، ويفاوض على الاتفاقات، ويدير ملفات السياسة الخارجية والأمن الإقليمي.

بمعنى أوضح: أرسل بن زايد دعوة إلى رجل يعرف أنه لن يكون الطرف الذي يديرها عملياً، وتجاهل الرجل الذي يفترض أن تصل إليه مثل هذه الرسائل. ولذلك قرأ دبلوماسيون أمريكيون وعرب الخطوة باعتبارها محاولة متعمدة لتجاوز محمد بن سلمان والذهاب «مباشرة إلى القمة».

لكن الأخطر أن واقعة أغسطس لم تكن بداية الأزمة. فقد سبقتها بشهور رسالة سعودية مطولة وجّهها محمد بن سلمان إلى طحنون بن زايد، متجاوزاً هو الآخر الرئيس الإماراتي. وبين الرسالتين تراكمت ضربات عسكرية، واتهامات بشأن السودان، وصراع مفتوح على اليمن، ومحاولات وساطة فاشلة، وشكاوى وصلت إلى واشنطن، وقنوات اتصال أُغلقت قبل أن تبدأ.

ما يجري، إذن، ليس فتوراً بين حليفين ولا اختلافاً مؤقتاً في التكتيكات. إنها علاقة تتفكك أمام العلن، بينما يحاول الطرفان الإبقاء على قشرة هشة من عبارات الأخوة والتنسيق.

 

رسالة أغسطس: دعوة رسمية تحمل إهانة سياسية

قالت وكالة أنباء الإمارات إن رسالة محمد بن زايد إلى الملك سلمان تضمنت دعوة شخصية لزيارة أبوظبي والمشاركة في مؤتمر للأمم المتحدة بشأن المياه في ديسمبر. أما التغطية السعودية، فاكتفت بالإشارة إلى أن الرسالة تتعلق بالعلاقات بين البلدين.

الاختلاف بين الروايتين لافت في حد ذاته. أبوظبي أرادت تقديم الرسالة باعتبارها دعوة موجهة إلى الملك، بينما تركت الرياض مضمونها أكثر غموضاً. لكن أياً من الروايتين لا يفسر لماذا لم تُرسل الدعوة إلى محمد بن سلمان، الذي يمارس الحكم فعلياً ويمثل السعودية في أعلى المحافل الدولية.

لم يكن بن زايد يجهل موازين السلطة داخل المملكة، ولم يكن يعتقد أن الملك سلمان سيستعيد فجأة إدارة ملفات السياسة الخارجية أو يسافر إلى أبوظبي لحضور مؤتمر للمياه. لذلك تصبح الصيغة البروتوكولية غطاءً لمعنى سياسي أكثر قسوة: الرئيس الإماراتي لا يعترف لمحمد بن سلمان بالقناة التي أراد فرضها لإدارة الخلاف، ويرفض مخاطبته مباشرة، ويستخدم موقع والده الملكي لتذكيره بأن لقب ولي العهد، مهما اتسعت سلطاته، لا يزال أدنى رسمياً من لقب الملك.

إنها واحدة من أكثر الطرق إحراجاً لتجاوز حاكم فعلي: عدم مهاجمته علناً، وإنما التصرف كما لو أنه ليس صاحب العنوان الأعلى في بلاده.

وقال مسؤول غربي مطلع على الأمر إن الإماراتيين شعروا بأنه «لم يعد أمامهم خيار سوى الذهاب مباشرة إلى القمة»، مضيفاً أن محمد بن سلمان لن يكون سعيداً بهذا الأسلوب. وهذه العبارة تكشف أن الرسالة لم تكن تصرفاً دبلوماسياً روتينياً؛ فالذهاب إلى الملك كان بديلاً عن التعامل مع ولي العهد، وليس امتداداً له.

 

الرد الإماراتي على قناة رفضتها أبو ظبي

تزداد دلالة رسالة أغسطس عندما توضع بجوار ما حدث في فبراير. ففي ذلك الوقت، أرسل محمد بن سلمان رسالة مطولة إلى طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق رئيس الدولة، تضمنت قائمة تفصيلية من الاعتراضات والاتهامات بشأن تحركات أبوظبي في اليمن والسودان.

عرض بن سلمان في رسالته قناة لإدارة الأزمة: طحنون بن زايد من الجانب الإماراتي، وخالد بن سلمان، وزير الدفاع وشقيق ولي العهد، من الجانب السعودي.

ظاهرياً، كانت الرياض تقترح وساطة عائلية بين شقيقي الحاكمين. أما عملياً، فقد كانت تقر بأن العلاقة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد لم تعد قادرة على حمل حوار مباشر. القائدان اللذان ظهرا لسنوات باعتبارهما محوراً سياسياً واحداً في الخليج لم يعودا يتبادلان العتاب بنفسيهما؛ كل منهما يدفع بشقيقه إلى الواجهة، ويحتمي بمستشارين ووسطاء لتمرير رسائل الغضب.

لم تستجب أبوظبي للقناة التي رسمها بن سلمان. ولم يظهر أن طحنون وخالد نجحا في إطلاق مسار فعلي لتسوية الخلاف. ثم جاءت رسالة بن زايد إلى الملك سلمان لتبدو وكأنها رفض إماراتي مهين للصيغة السعودية كلها: إذا كان محمد بن سلمان قد قرر تجاوز رئيس الإمارات ومخاطبة شقيقه، فإن بن زايد يستطيع تجاوز ولي العهد ومخاطبة والده.

وهكذا انتقلت الأزمة من «دبلوماسية الأشقاء» إلى «دبلوماسية الأب». وكل انتقال في هذا المسار حمل تخفيضاً متعمداً لمكانة الطرف المقابل.

 

رسالة فبراير لم تكن عتاباً.. بل لائحة اتهام

لم تقتصر رسالة محمد بن سلمان إلى طحنون على كلمات عامة بشأن ضرورة التنسيق. كانت، وفقاً للمسؤولين الأمريكيين والغربيين الذين اطلعوا على مضمونها، لائحة طويلة من الشكاوى السعودية ضد الإمارات.

قالت الرياض إنها لم تعد قادرة على «تحمّل» استمرار الحرب في السودان في ظل دعم أبوظبي لميليشيا الدعم السريع. وفي اليمن، وصفت إرسال مساعدات عسكرية إماراتية إلى المجلس الانتقالي الجنوبي من دون موافقة السعودية بأنه تجاوز لـ«خط أحمر». كما دافعت عن تدخلها العسكري باعتباره ضرورة لحماية أمنها القومي، وأكدت أن اليمن يقع ضمن مجال نفوذها وأنها ستتولى «المسؤولية» عنه.

هذه ليست لغة دولتين تختلفان حول تفاصيل تنفيذية داخل تحالف واحد. إنها لغة قوة إقليمية تتهم جارتها بالعمل ضد أمنها، وبإطالة حرب دامية، وبتسليح حلفاء محليين من وراء ظهرها، وباختراق مجال تعتبره جزءاً من أمنها القومي.

والرسالة الأهم هي أن الرياض لم تعد تنظر إلى التحركات الإماراتية بوصفها اجتهادات منفردة لحليف صعب، وإنما باعتبارها تهديداً يتعين ردعه. أما أبوظبي، فتصرفت باعتبار أن السعودية ليست صاحبة الحق الحصري في تحديد مستقبل اليمن أو توزيع النفوذ في المنطقة.

 

اليمن: من التحالف إلى قصف الحلفاء

في اليمن سقطت تماماً صورة التحالف السعودي الإماراتي. الدولتان اللتان دخلتا الحرب في معسكر واحد أصبحتا تعملان على هدم مشروع كل منهما.

تدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى الانفصالية، بينما تتمسك السعودية بالحكومة المعترف بها دولياً وبقدرتها على التحكم في الترتيبات السياسية والأمنية للبلد المحاذي لحدودها. ولم يعد الصدام بين المشروعين سياسياً فقط؛ بل وصل إلى استخدام القوة.

قصفت السعودية شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا أواخر ديسمبر، ثم قدمت دعماً جوياً واستخباراتياً للقوات التابعة للحكومة اليمنية من أجل إبعاد المجلس الانتقالي. كما اتهمت الرياض أبوظبي بتدبير عملية سرية لإخراج عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي السابق، من اليمن بعد اتهامه بالخيانة العظمى.

عندما تقصف دولة شحنة سلاح أرسلتها دولة توصف رسمياً بأنها حليفتها، وتستخدم طيرانها ومعلوماتها الاستخباراتية لضرب القوى التي ترعاها تلك الدولة، تسقط كل محاولات تقديم الخلاف باعتباره تبايناً قابلاً للاحتواء.

السعودية لم تعد تتعامل مع النفوذ الإماراتي في اليمن باعتباره مكملاً لدورها، وإنما باعتباره اختراقاً ينبغي تفكيكه. ووفق التقرير، تحركت الرياض لإخراج الإمارات من اليمن بالكامل. وفي المقابل، لم تتراجع أبوظبي عن دعم الانفصاليين، بل واصلت العمل خارج الإرادة السعودية وفي مواجهة صريحة معها.

لم يعد اليمن ساحة تعاون بين البلدين، بل أصبح الميدان الذي يدمر فيه كل طرف ما بناه الآخر.

 

السودان: الرياض تتهم أبو ظبي بإدامة الحرب

لا يقل الصدام في السودان خطورة. فقد وجهت الرياض إلى أبو ظبي اتهاماً يمس جوهر سياستها الإقليمية: دعم ميليشيا الدعم السريع والمساهمة بذلك في استمرار الحرب.

لم تحصر السعودية اعتراضها في اتصالات سرية، بل نقلت شكواها إلى واشنطن. وخلال زيارة محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض في نوفمبر، طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل بشأن الحرب السودانية والدعم الذي تحصل عليه ميليشيا الدعم السريع، وإن تجنب تسمية الإمارات علناً.

كان الاسم غائباً عن التصريح، لكنه حاضر في خلفية التحرك كله. وقد فهمت أبوظبي، بحسب الرسالة السعودية، أن الرياض ربما ضغطت على واشنطن لفرض عقوبات عليها. وعبّرت السعودية عن «صدمتها» من هذا الاعتقاد، لكن مجرد وصول الشكوك بين الطرفين إلى هذا المستوى يكشف انهيار الثقة.

الإمارات تشك في أن السعودية تحرّض القوة الأكبر في العالم لمعاقبتها، والسعودية تعدّ ملفاً يشرح للأمريكيين بالتفصيل ما تفعله الإمارات في السودان واليمن. ليست هذه علاقة دولتين تحاولان حل مشكلة داخلية؛ إنها خصومة تتحول فيها واشنطن إلى ساحة إضافية لتبادل الضغط.

وذهب بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن التحرك السعودي لدى ترامب كان «القشة الأخيرة» التي دفعت الإمارات إلى دعم هجوم واسع للقوى الانفصالية في اليمن. ورغم أن هذا الربط يظل تحليلاً، فإنه يعكس تصوراً متزايداً بأن ساحتي السودان واليمن أصبحتا مترابطتين: تضغط الرياض على المشروع الإماراتي في السودان، فتتحرك أبوظبي ضد المصالح السعودية في اليمن.

بهذا المعنى، لم يعد الخلاف يدور حول ملفين منفصلين، بل أصبح أقرب إلى تبادل للعقاب عبر حدود المنطقة.

 

كل طرف يشرح خصومته لواشنطن

حرصت السعودية على مشاركة الولايات المتحدة بالرسالة الموجهة إلى طحنون. وقال مسؤولون غربيون إن الرسالة بدت مكتوبة وهي تضع الإدارة الأمريكية في الحسبان، إذ استعرضت الاعتراضات السعودية بصورة تفصيلية، مع تطعيمها بعبارات عن «العلاقات الأخوية».

هذه العبارات لم تكن دليلاً على قوة العلاقة، وإنما غطاءً دبلوماسياً للائحة الاتهامات. فالخطاب الذي يحتاج إلى تكرار الحديث عن الأخوة بينما يشرح لدولة ثالثة كيف يهدد الطرف الآخر الأمن القومي، هو خطاب يحاول تخفيف وقع الخصومة لا نفي وجودها.

واشنطن نفسها أدركت حجم الشرخ. واعترف ترامب علناً بوجود خلاف بين الدولتين قائلاً: «لديهما بالفعل شرخ»، قبل أن يدعي أنه يستطيع تسويته بسهولة.

لكن الوقائع لم تدعم هذا التفاؤل. فقد عرضت الولايات المتحدة التوسط، إلا أن الإمارات لم تُبدِ استعداداً لقبول وساطة سرية. وكان من المنتظر أن يزور مسؤول أمريكي رفيع أبوظبي، لكن الزيارة لم تتم. كما أُلغيت زيارة أخرى كان من المتوقع أن يجريها مبعوث ترامب ستيف ويتكوف.

تعثرت الوساطة السعودية عبر الأشقاء، ورفضت أبوظبي الوساطة الأمريكية خلف الأبواب المغلقة، وأُلغيت زيارات مرتبطة بمحاولة إدارة الأزمة. ثم جاء بن زايد ليكتب إلى الملك سلمان نفسه. سلسلة الوقائع هذه لا تشبه عملية احتواء ناجحة، بل أبواباً تُغلق واحداً بعد الآخر.

 

صراع على الأمن الإقليمي يتجاوز اليمن والسودان

الخلاف بين الرياض وأبو ظبي لا يتوقف عند الوكلاء المحليين. فهو يمتد إلى تصور كل دولة لشكل التحالفات الإقليمية ومستقبل الأمن في المنطقة.

فبعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ظهر تقارب مؤقت في موقف الدولتين، لكن السعودية تحولت لاحقاً إلى دعم مسار للوساطة عبر حليفتها باكستان، وهو ما حاولت الإمارات منعه وفق التقرير.

ثم أعلنت السعودية وباكستان وتركيا اتفاقاً دفاعياً جديداً عُرف باسم «ميثاق مكة»، وقدّم باعتباره إطاراً أمنياً مفتوحاً وليس تحالفاً موجهاً ضد الجيران. لكن الاتفاق أثار انتقادات في الأوساط الإماراتية، واعتُبر بديلاً محتملاً عن الشراكة الأمنية المتنامية بين إسرائيل والإمارات.

وتساءل عبد الخالق عبد الله، المستشار السابق لمحمد بن زايد، عن هوية «العدو المشترك» الذي يقوم عليه التحالف. لم يكن السؤال بريئاً في سياق التوتر. فقد حمل تشكيكاً علنياً في المشروع الأمني الذي تعمل السعودية على بنائه مع تركيا وباكستان، وفي موقع الإمارات داخله أو خارجه.

وهكذا أصبح الصراع أوسع من نزاع على مدينة يمنية أو دعم طرف سوداني. السعودية تبني شبكة أمنية مع تركيا وباكستان؛ والإمارات تعمق شراكتها مع إسرائيل؛ وكل طرف يرى ترتيبات الآخر منافسة لموقعه ونفوذه وربما تهديداً لمصالحه.

إنهما لا تختلفان فقط على كيفية إدارة الإقليم، بل تتحركان نحو نموذجين متنافسين لترتيبه.

 

انهيار العلاقة الشخصية بين الرجلين

لسنوات، قُدّمت العلاقة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد باعتبارها علاقة تلميذ بمرشد، ثم تحولت سريعاً إلى شراكة بين حاكمين طموحين يريدان إعادة تشكيل المنطقة. لكن تبادل الرسائل عبر الآباء والأشقاء يفضح ما تبقى من هذه الصورة.

لو كانت العلاقة الشخصية بينهما قائمة، لكان من الطبيعي أن يرفع بن سلمان اعتراضاته مباشرة إلى بن زايد، أو أن يتصل به لبحث ملفات اليمن والسودان. ولو كانت قنواتهما تعمل، لما احتاجت واشنطن إلى محاولة التوسط، ولما وصلت رسالة سعودية مطولة إلى طحنون، ولما رد الرئيس الإماراتي بمخاطبة الملك سلمان.

الواقع الذي ترسمه الوقائع مختلف: لا حوار مباشر، ولا ثقة، ولا قناة مقبولة للطرفين. هناك شكاوى مكتوبة، ورسائل بلا توقيع واضح، وأشقاء يُدفع بهم إلى الواجهة، ووسطاء أمريكيون تلغى زياراتهم، ثم رسالة إلى ملك غائب فعلياً عن الإدارة اليومية.

كل ذلك يكشف أن الأزمة ليست بين مؤسسات مجردة، وإنما وصلت إلى الرجلين نفسيهما. لقد أصبح كل طرف يتعامل مع الآخر بوصفه مشكلة ينبغي تجاوزها، لا شريكاً يمكن التفاهم معه.

 

“العلاقات الأخوية” غطاء لمواجهة مفتوحة

قد تواصل وسائل الإعلام الرسمية في البلدين الحديث عن عمق العلاقات ووحدة المصير. وقد تظهر صور المصافحات في مناسبات إقليمية، أو تصدر تصريحات تزعم أن الاختلافات أُزيلت وأن التنسيق عاد إلى مساره. لكن الكلمات لا تستطيع محو ما يحدث على الأرض.

لا توجد «علاقات أخوية» بالمعنى الحقيقي عندما تقصف السعودية أسلحة الإمارات وحلفاءها في اليمن. ولا يوجد «تنسيق استراتيجي» عندما تتهم الرياض أبو ظبي بدعم ميليشيا الدعم السريع وإطالة الحرب السودانية. ولا يوجد «تفاهم بين القيادتين» عندما يرفض الطرفان مخاطبة بعضهما مباشرة ويلجآن إلى الأشقاء والآباء والأمريكيين.

إن الإصرار على لغة الأخوة هنا لا يثبت متانة العلاقة؛ بل يكشف مقدار الجهد المطلوب لإخفاء انهيارها.

المشهد أكثر فجاجة من البيانات الرسمية: حليفان سابقان يخوضان صراع نفوذ متعدد الجبهات، يستخدمان فيه القوة العسكرية والوكلاء المحليين والضغط الأمريكي والتحالفات المتنافسة والرسائل البروتوكولية المحمّلة بالإهانات.

 

من بدأ التجاوز ومن رفع سقفه؟

في فبراير، تجاوز محمد بن سلمان محمد بن زايد، وخاطب شقيقه طحنون بلغة الشكوى والتحذير، ثم اقترح أن يتولى شقيقه خالد إدارة الوساطة. وفي أغسطس، رد بن زايد بتجاوز أكبر: لم يخاطب بن سلمان ولا شقيقه، وإنما ذهب إلى والده الملك.

هذا التسلسل مهم؛ لأنه يظهر أن رسالة أغسطس لم تكن حادثة منفردة، وإنما حلقة في مواجهة متبادلة. بدأ الطرفان باستبدال الاتصال المباشر بقنوات العائلة، ثم تحولت هذه القنوات نفسها إلى أدوات لإظهار عدم الاعتراف بالطرف الآخر.

لكن التجاوز الإماراتي الأخير حمل ثقلاً رمزياً أشد. فهو لم يضع محمد بن سلمان خارج المحادثة فقط، بل أعاده ضمنياً إلى موقع ولي العهد الذي يمكن المرور فوقه للوصول إلى الملك، في وقت بنى فيه بن سلمان صورته وسلطته على أنه الدولة والدولة هي هو.

لهذا كان من الطبيعي أن يقول المسؤول الغربي إن ولي العهد السعودي لن يكون سعيداً. فالرسالة مست واحدة من أكثر النقاط حساسية لديه: الاعتراف الكامل به حاكماً أوحد للمملكة قبل أن يعتلي العرش رسمياً.

 

أزمة أكبر من محاولات الترقيع

تعددت محاولات الاحتواء وفشلت: قناة طحنون–خالد لم تُنتج تسوية، والوساطة الأمريكية لم تنطلق، والزيارات المرتقبة أُلغيت، والخلافات العسكرية استمرت، ثم جاءت رسالة بن زايد إلى الملك لتؤكد أن العلاقة تتجه نحو المزيد من التصعيد الرمزي.

المشكلة أن النزاع لا يقوم على حادث عارض يمكن الاعتذار عنه. إنه متجذر في تضارب المصالح:

  • السعودية تريد إخضاع اليمن لنفوذها الأمني، بينما تدعم الإمارات مشروعاً انفصالياً ينازعها السيطرة.
  • الرياض تعترض على دعم ميليشيا الدعم السريع، بينما تتمسك أبوظبي بأدوات نفوذها في السودان.
  • السعودية تبني محوراً أمنياً مع تركيا وباكستان، فيما تقترب الإمارات من إسرائيل.
  • كل دولة تريد تقديم نفسها باعتبارها القوة الخليجية الأكثر تأثيراً والأقدر على قيادة المنطقة.
  • وفوق ذلك، انهارت الثقة الشخصية بين الحاكمين وتعطلت قنوات التواصل المباشر بينهما.

لهذا لا يمكن «لمّ» الخلاف بصورة مشتركة أو اجتماع عابر. يمكن تجميده، ويمكن منع انفجاره مؤقتاً، ويمكن إنتاج بيانات محسوبة تحفظ ماء الوجه؛ لكن أسباب المواجهة ستبقى قائمة لأن كل طرف يرى تمدد الآخر خصماً من نفوذه وأمنه ومكانته.

 

الرسالة لم تبدأ الأزمة.. بل فضحتها

تكمن أهمية رسالة محمد بن زايد إلى الملك سلمان في أنها أزالت طبقة جديدة من التجميل الرسمي. فهي أظهرت أن رئيس الإمارات لم يعد يريد استخدام القناة التي رسمها محمد بن سلمان، وأنه مستعد لتوجيه إشارة علنية تحرجه داخل ترتيب الحكم السعودي نفسه.

وقبلها، كشفت رسالة محمد بن سلمان إلى طحنون أن الرياض تنظر إلى أبوظبي باعتبارها دولة تجاوزت الخطوط الحمراء في اليمن والسودان، وأن ولي العهد اضطر إلى عرض شكواه أمام واشنطن بعدما فشل في ضبط سياسات حليفه السابق.

من فبراير إلى أغسطس، لم تتقلص المسافة بين الرجلين؛ بل اتسعت. لم تنجح قناة الأشقاء، ولم تبدأ الوساطة الأمريكية، ولم تتوقف المواجهة في ساحات النفوذ. وفي النهاية، تجاوز كل حاكم الآخر: بن سلمان خاطب شقيق بن زايد، وبن زايد خاطب والد بن سلمان.

هذه ليست تفاصيل بروتوكولية، وإنما علامات انهيار سياسي. فالتحالف الذي كان يُقدَّم قبل سنوات باعتباره القوة التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط أصبح خصومة عائلية وإقليمية تُدار بالرسائل والضربات والوكلاء والوسطاء.

ومهما تكررت تصريحات الاحتواء، فإن الأزمة لم تعد قابلة للإخفاء. علاقة بن سلمان وبن زايد لم تدخل مرحلة فتور؛ لقد انتقلت إلى مواجهة مفتوحة لم يُعلن اسمها رسمياً بعد.