بعد عام على اجتياح الفاشر، لا يزال سكان المدينة يدفعون ثمن الجريمة كل يوم. الذين نجوا من الرصاص يواجهون الجوع والاعتقال والابتزاز، والنساء اللواتي أفلتن من المجزرة يعشن تحت تهديد العنف الجنسي، فيما يحتاج من يريد العودة إلى منزله إلى تصريح من الميليشيا التي نهبته. وفي خلفية هذا الخراب، تقف شبكات السلاح والإمداد المرتبطة بالإمارات، التي ساعدت ميليشيا الدعم السريع على مواصلة عملياتها، وحوّلت الدعم الخارجي إلى قدرة عسكرية تُستخدم ضد المدنيين.

 

تجمع شهادات الناجين التي نشرها «ميدل إيست آي» بين مرحلتين من المأساة: الحصار والقتل الجماعي، ثم الحياة التي فُرضت على من بقوا أحياء. وتكشف النتائج الأممية عن امتداد للجريمة خارج حدود السودان، عبر شبكات تنقل المقاتلين والمعدات والأسلحة والمساندة اللوجستية. لذلك، فإن مساءلة ما جرى في الفاشر لا تكتمل عند المقاتل الذي أطلق النار؛ بل تشمل من وفّر الوسائل التي أبقت آلة القتل تعمل.

 

في 26 أكتوبر 2025، وبعد أكثر من 500 يوم من الحصار، شنّت ميليشيا الدعم السريع هجومها الأخير على عاصمة شمال دارفور. وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى للهجوم، بينهم آلاف داخل المدينة وآخرون على طرق الفرار. وما زال العدد الحقيقي للضحايا مجهولاً، وسط الاختفاء والاحتجاز وتعذّر الوصول المستقل إلى مواقع الجريمة.

 

تصريح لدخول البيت وتهديد بالاغتصاب

 

قبل نحو ثلاثة أسابيع من الإدلاء بشهادتها، غادرت هالة مخيم النزوح في طويلة وعادت إلى الفاشر، الواقعة على مسافة تقارب 60 كيلومتراً شرقاً. حملت حقيبة صغيرة وصعدت إلى مركبة تشغّلها ميليشيا الدعم السريع. لم تكن تبحث عن استعادة حياتها السابقة؛ كانت تريد استخراج أوراقها من البيت، بينها شهادة الميلاد وبطاقة الهوية.

 

عندما وصلت، وجدت مدينة تبدّلت معالمها. منازل منهوبة أو مدمّرة وشوارع لم تعد تشبه ما تتذكره. وما إن نزلت من المركبة حتى أحاط بها مقاتلون وسألوها عن وجهتها، وموقع منزلها بالتحديد، وعدد الأيام التي تنوي البقاء خلالها. اضطرت إلى شرح حاجتها إلى وقت للبحث بين الفوضى في منزل بلا كهرباء، قبل أن يمنحوها ورقة تحمل اسمها وتوقيعهم وتاريخ الدخول.

 

روت هالة، التي استُخدم اسم مستعار لحمايتها، هذه التفاصيل لمنظمة «آفاز» في مقابلة شاركتها مع «ميدل إيست آي». وما وصفته يتجاوز إجراءات التفتيش إلى إخضاع السكان لسلطة مسلحة تتدخل في أبسط حقوقهم: دخول البيت، والبقاء فيه، والتحرك في الشارع.

 

قالت إن مقاتلي الميليشيا يستطيعون اقتحام المنازل وتهديد النساء بالاغتصاب إذا رفضن الانصياع لهم، وإن الاعتراض قد ينتهي بالضرب أو السجن. ولهذا أصبحت العودة إلى الفاشر شديدة الخطورة على النساء والشباب، بينما يتحمل الآباء وكبار السن كثيراً من رحلات البحث عن الممتلكات والأوراق، من دون أن يكونوا هم أيضاً بمنأى عن الاعتداء.

 

وفي اليوم التالي لوصولها، أوقفها مقاتلون في الشارع ووجّهوا إليها إهانات وعبارات مسيئة. قالت إن وجود مدنيين آخرين حال دون الاعتداء الجسدي عليها، قبل أن يسمحوا لها بالعودة إلى المنزل. والمفارقة التي أثارت غضبها أن المسلحين يعتدون على السكان، ثم يخبرونهم بأن المدينة مدينتهم وأنهم مرحّب بهم فيها.

 

عادت هالة إلى طويلة بقرار نهائي: لن تعود إلى الفاشر، حتى لو تحسنت الظروف. فالعودة التي تُقدَّم بوصفها علامة على استقرار المدينة تعني، بالنسبة إليها، الدخول مجدداً إلى مكان تستطيع فيه الميليشيا تهديدها داخل بيتها.

 

أسر أُخرجت إلى الشوارع ورجال أُعدموا أمامها

 

لم يبدأ هذا الخوف بعد سقوط المدينة؛ إنه امتداد لما عاشه السكان خلال الهجوم. فقد صوّر مقاتلو ميليشيا الدعم السريع أنفسهم وهم يقتلون المدنيين، وتحدث الناجون عن إعدامات واغتصاب واحتجاز مقابل فدية، وعن نقل أشخاص إلى عيادات مؤقتة لسحب الدم منهم.

 

روى محمد حسن، أحد سكان الفاشر، أن المقاتلين أخرجوا عشرات الأسر من المنازل في أحد الشوارع، ثم فصلوا الرجال عن النساء والأطفال. تعرّضت النساء للجلد والإهانة، بينما أُطلقت النار عشوائياً على الرجال. وكان اتهام الرجل بأنه جندي في الجيش السوداني أو في القوات المشتركة المتحالفة معه كافياً لقتله فوراً.

 

أما حنين، وهي أم هربت إلى طويلة، فقد خرجت تحمل ابنتها فقط. كانت تظن أن الوصول إلى البلدة سيضع حداً للخوف، لكنها قالت إنها ما زالت تنتظر الشعور بالأمان. وفي شهادتها، تحدثت عن أهوال يصعب عليها وصفها، وعن عجز الأم حين ترى طفلتها تتعرض للعنف ولا تستطيع حمايتها.

 

قالت: «نجونا، لكن النجاة لا تعني أننا لم نعد نتألم». وتختصر عبارتها جانباً أساسياً من الكارثة: الوصول إلى مخيم نزوح لا يمحو ما حدث، ولا يوفّر تلقائياً العلاج أو الحماية أو الطعام.

 

ومن داخل المشهد الإنساني نفسه، قالت عاملة الإغاثة آنا إن ميليشيا الدعم السريع تستخدم مباني قديمة في الفاشر سجونا، وإن المحتجزين يعيشون أوضاعاً أشد قسوة من أوضاع النازحين، إذ يُحرمون من الطعام والرعاية الطبية عندما يمرضون.

 

حصار صنع الجوع قبل اقتحام المدينة

 

سبقت المجزرة عملية طويلة لتحطيم قدرة السكان على البقاء. فمن مايو 2024 إلى أكتوبر 2025، حاصرت ميليشيا الدعم السريع الفاشر، وأقامت سواتر ترابية حولها، وقطعت طرق الإمداد، وقصفت المدينة بصورة شبه يومية. ومع انقطاع الغذاء والدواء، وصل السكان إلى أكل أعلاف الحيوانات ومخلّفات الطعام.

 

أصبحت السواتر وسيلة لحبس المدنيين، ثم تحولت أثناء الفرار إلى مواقع للقتل. ومن حاول إدخال الطعام عرّض نفسه للاستهداف؛ فقد تحدث شبان وتجار إلى «هيومن رايتس ووتش» عن هجمات قاتلة خلال رحلات نقل المؤن، وروى ناجون إعدام أشخاص ضُبطوا يحملون إمدادات.

 

وفي واحدة من صور التنكيل التي خرجت إلى العلن، عُلّقت الشابة قسمة علي عمر من ذراعيها إلى شجرة، مع تقييد قدميها، وصُوّرت أثناء الاعتداء عليها. هكذا امتد العقاب إلى من يحاولون كسر الحصار، بينما استُخدم تصوير الإهانة لترهيب الآخرين.

 

ووصف طبيب أمضى قرابة عامين يعمل ويعيش داخل أحد مستشفيات الفاشر كيف ضاق عالمه وزملائه حتى أصبح المستشفى مكان العمل والنوم والطعام. كانوا يعالجون المصابين ليلاً ونهاراً، فيما تمر أشهر لا يكادون يرون خلالها أسرهم.

 

ومع اشتداد الحصار، توقفت الإمدادات الطبية، ونفدت الأدوية الأساسية، وتعطلت المعدات، وفُقد الوصول المنتظم إلى الكهرباء والمياه النظيفة. لم يعد تشغيل المولدات ممكناً إلا ساعتين ليلاً، واضطر الأطباء إلى إجراء عمليات طارئة على ضوء الهواتف المحمولة، في غياب المضادات الحيوية والشاش الجراحي.

 

وصلت نساء حوامل عبر طرق خطرة وهن في حالات حرجة، واحتاج أطفال خدّج إلى أجهزة يصعب إبقاؤها عاملة، بينما تكدّس المصابون بالقصف والأطفال الذين أنهكهم سوء التغذية ومرضى الأمراض المزمنة الذين انقطع علاجهم. ولم يكن الأطباء خارج هذه المحنة؛ بعضهم أصيب بسوء تغذية شديد، وبعضهم واصل العمل وهو مريض أو جريح.

 

قال الطبيب إن أقسى ما واجهه كان مشاهدة مريض يتدهور، مع معرفته الدقيقة بالعلاج الذي يحتاج إليه، وعجزه عن توفيره. لقد جعل الحصار المعرفة الطبية نفسها عاجزة أمام الحرمان المتعمّد من أبسط وسائل إنقاذ الحياة.

 

المستشفيات ومواقع الاحتماء تحولت إلى ساحات قتل

عندما اقتحمت الميليشيا الفاشر، طالت الهجمات الأماكن التي لجأ إليها المدنيون طلباً للحماية. وكان مستشفى الولادة السعودي أحد أبرز مواقع المذبحة، حيث كان المرضى والعاملون الطبيون يقيمون إلى جانب أسر نازحة، معظم أفرادها من النساء والأطفال. وأشارت تقارير عن الهجوم إلى مقتل نحو 500 شخص هناك.

 

كما وثّق محققون أمميون عمليات قتل جماعي في جامعة الفاشر، وعلى الطرق المؤدية إلى خارج المدينة، وعند السواتر الترابية التي ضيّقت منافذ الهرب. وتحققت منظمة العفو الدولية من تسجيلات تظهر قائداً في الميليشيا يعدم أسرى يرتدون ملابس مدنية، فيما أظهرت تسجيلات أخرى جثثاً في خندق بمحاذاة أحد السواتر.

 

وفي تقريرها الصادر في يوليو 2026، خلصت منظمة العفو الدولية إلى ارتكاب ميليشيا الدعم السريع جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي خلال حملتها في شمال دارفور، شملت القتل والتعذيب والاغتصاب والاستعباد الجنسي والتهجير القسري والاضطهاد. وأكدت أن الأطفال تعرضوا أيضاً للاستهداف المتعمد.

 

أما بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، فخلصت في فبراير إلى أن حملة الفاشر حملت سمات الإبادة الجماعية، ووثّقت أفعالاً استهدفت جماعات إثنية بعينها بالقتل وإلحاق الأذى الجسيم وفرض ظروف حياة مدمّرة. هذه النتائج تضع ما حدث في إطار حملة منظمة ضد السكان، وتدحض اختزاله في تجاوزات فردية رافقت معركة.

 

أين اختفى السكان؟

قبل سقوط الفاشر بستة أسابيع، كان نحو 107 آلاف شخص قد فرّوا منها، بينما بقي قرابة 260 ألفاً داخل المدينة عند بدء الهجوم. ومن هنا جاء السؤال الذي طرحته منظمة أطباء بلا حدود، وما زال بلا إجابة كاملة: أين ذهب الجميع؟

 

يصعب تتبع مصير السكان وسط انقطاع الاتصالات، والاحتجاز، وتقييد الوصول إلى المدينة. ولا يمكن مساواة كل مفقود بقتيل، لكن الفجوة الهائلة بين أعداد من كانوا داخل الفاشر ومن أمكن الوصول إليهم تكشف حجم كارثة لم تُحصر بعد.

 

وخلال الفترة بين 26 أكتوبر و28 نوفمبر 2025، رصد مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل 150 تجمعاً لأجسام تتوافق صورها مع رفات بشرية. وظهرت علامات احتراق في 20 تجمعاً، بينما اختفى 57 تجمعاً تماماً خلال أربعة أسابيع. وبالقرب من المستشفى السعودي، أظهرت صور الأقمار الصناعية حفرة تضم ما بدا أنه جثث تعرضت للحرق المتكرر خلال نوفمبر.

 

كما أُزيل تجمع لأجسام يُشتبه بأنها جثث قرب أحد السواتر. وتشير هذه المشاهد إلى أعمال لإزالة آثار القتل، في الوقت الذي أعلن فيه قائد الميليشيا محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، فتح تحقيق في «انتهاكات» ارتكبها مقاتلوه أثناء السيطرة على الفاشر.

 

وعندما دخل فريق أممي المدينة في ديسمبر، تحت رقابة مشددة، وصفها بأنها مسرح جريمة، ووجد فيها أعداداً قليلة من السكان. وكان واحد من كل ستة أشخاص شملهم الفحص يعاني سوء تغذية حاداً وشديداً.

 

الإمارات وشبكات الإمداد التي أبقت الميليشيا قادرة على القتل

 

استمرار هذه العمليات احتاج إلى أسلحة وذخائر ومعدات ومقاتلين وخطوط نقل. وهنا يبرز الدور الإماراتي بوصفه جزءاً من البنية التي مكّنت ميليشيا الدعم السريع، لا مجرد علاقة سياسية بعيدة عن ساحات الجرائم.

 

حددت بعثة تقصي الحقائق الأممية شبكات عابرة للحدود، تضم شركات خاصة ومجنّدين وميسّرين لوجستيين يعملون من الإمارات ودول أخرى، استخدمت تشاد وجنوب شرقي ليبيا ومدينة بوصاصو الصومالية نقاط عبور لنقل الأفراد والتدريب والأسلحة والإمدادات إلى الميليشيا. وربطت منى رشماوي، عضوة البعثة، هذا الدعم بعمليات الدعم السريع في مخيم زمزم ثم أثناء الاستيلاء على الفاشر.

 

وتناولت تحقيقات «ميدل إيست آي» مسارات الإمداد عبر ليبيا وشبكات مرتبطة بخليفة حفتر، إلى جانب استخدام قواعد داخل إثيوبيا لمساندة الميليشيا. هذه المسارات تشرح كيف استطاعت قوة ترتكب جرائم واسعة النطاق أن تواصل القتال وتوسّع نطاق عملياتها، رغم التحذيرات الدولية المتكررة.

 

إن وجود شبكات بهذا الحجم تعمل من الإمارات يضع أبوظبي أمام مسؤولية مباشرة عن وقفها ومحاسبة القائمين عليها. كما أن توثيق وصول الدعم إلى عمليات شهدت فظائع يجعل المسألة أكبر من مخالفات تجارية أو شحنات سلاح منفصلة: إنها مساءلة عن تمكين قوة تستخدم مواردها في حصار السكان وقتلهم وتهجيرهم.

 

الإمارات تنفي تسليح ميليشيا الدعم السريع، لكن هذا النفي لا يجيب عن الأدلة المتعلقة بمسارات الإمداد والجهات العاملة من أراضيها. والمطلوب ليس الاكتفاء ببيانات دبلوماسية؛ بل كشف الشركات والممولين والوسطاء، ووقف التحويلات والشحنات، وإخضاع المتورطين لتحقيقات ومساءلة تتناسب مع الجرائم التي ساعد هذا الدعم على استمرارها.

 

السلاح الغربي والعلاقة مع أبوظبي

 

تمتد الأسئلة إلى الحكومات التي تواصل تسليح الإمارات، بينما تتراكم المعلومات عن ارتباطها بشبكات دعم الميليشيا. فالولايات المتحدة هي أكبر مصادر السلاح للإمارات، وقد دفعت إدارة دونالد ترامب في مايو 2025 بصفقات تشمل مروحيات «شينوك» وقطع غيار لمقاتلات «إف-16»، بقيمة تقارب 1.4 مليار دولار، رغم اعتراضات داخل الكونغرس.

 

وبحسب المادة المنشورة، وافقت واشنطن في مارس 2026 على مبيعات إضافية للإمارات تتجاوز ثمانية مليارات دولار، تشمل أسلحة ومسيّرات وصواريخ. وتضع هذه الصفقات التناقض السياسي في الواجهة: كيف تتحدث واشنطن عن جرائم ميليشيا الدعم السريع، ثم توسّع التعاون العسكري مع دولة ترتبط بها شبكات إمداد الميليشيا؟

 

وفي بريطانيا، أثار العثور على أسلحة بريطانية في ساحات القتال السودانية أسئلة عن الرقابة على المستخدم النهائي ومسارات إعادة التصدير. كما وُجّهت اتهامات إلى الحكومة بأنها لم تتحرك بما يكفي لمنع كارثة الفاشر خشية الإضرار بالعلاقة مع الإمارات.

 

ولا يثبت مجرد بيع سلاح للإمارات أن كل قطعة منه وصلت إلى السودان، لكنه يفرض على الحكومات المصدّرة واجباً سياسياً وأخلاقياً واضحاً: تتبع الأسلحة ومنع تحويلها، والتحرك عندما تظهر أدلة على شبكات تدعم مرتكبي الفظائع. استمرار الصفقات من دون مواجهة هذا الملف يمنح المصالح العسكرية والتجارية أولوية على حماية المدنيين.

 

الفدية والجوع يلاحقان من أفلتوا من الرصاص

 

لم تنتهِ سلطة الميليشيا عند حدود الفاشر. فقد تحدث ناجون عن استمرار احتجاز الرجال الفارين والمطالبة بفدى تصل إلى ثلاثة آلاف دولار. ونقل التقرير عن جهة رصد تقديراً باحتجاز قرابة 68 ألف مدني، وهو رقم يعكس اتساع البلاغات عن الاحتجاز، وسط صعوبة التحقق المستقل من العدد الإجمالي.

 

وأصبحت طويلة، التي كانت بلدة صغيرة، تؤوي نحو 800 ألف نازح، معظمهم من الفاشر. لكن الوصول إليها لا يضمن مأوى أو وجبة طعام، كما تكشف قصة خديجة، المسنّة التي هربت أولاً من الجنينة في غرب دارفور، ثم لجأت إلى الفاشر بحثاً عن الأمان، قبل أن تلحق بها الحرب وتدفعها إلى النزوح مرة أخرى.

 

قالت خديجة إنها تعيش الآن تحت شجرة في مزرعة، بلا مأوى يحميها من البرد ومع القليل من الطعام. رحلتها بين الجنينة والفاشر وطويلة تختصر اتساع الجريمة: المدن التي لجأ إليها المدنيون تحولت تباعاً إلى أماكن يفرّون منها.

 

وحذّر مدثر محمد ديقورني، من إحدى لجان مقاومة الفاشر، من تدمير ميليشيات الدعم السريع المزارع في جنوب دارفور ووسطها، واستهداف المزارعين بالرصاص أثناء ذهابهم إلى حقولهم أو محاولتهم حماية المحاصيل والممتلكات الزراعية.

 

ويرى ديقورني أن ذلك يدفع من تبقّى في الريف إلى المخيمات أو خارج الحدود عبر الإفقار والتجويع المنهجيين. ووصف مشهداً يلخّص هذا الإذلال: مزارعون يتسابقون مع إبل الجنجويد في الحقول لإنقاذ ما تبقّى من علف لحيواناتهم.

 

وفي شمال كردفان، تستمر آثار العنف في الظهور أيضاً. فقد نقل التقرير العثور في مدينة بارا على نحو 200 مقبرة جماعية، وانتشال أكثر من 600 جثة، معظمها لمدنيين قال شهود إن ميليشيا الدعم السريع قتلتهم خلال هجوم أكتوبر نفسه الذي شهد سقوط الفاشر. وما زال المتطوعون يبحثون ويدفنون، بينما تنتظر أسر كثيرة معرفة مصير أبنائها.

 

الناجون ما زالوا يموتون

 

في طويلة، قالت حنين إنها ترى الناس يضعفون يوماً بعد يوم. أشخاص كانوا يتحدثون ويضحكون قبل أيام يصبحون عاجزين عن الوقوف، ثم تستيقظ أحياناً على خبر وفاة شخص لم يجد ما يأكله. وهكذا يستمر فقدان الأرواح بعد الإفلات من المجزرة، في مخيمات لم تستطع توفير الحد الأدنى من الحماية والغذاء.

 

أما هالة، فاختصرت ما أصبحت عليه مدينتها بقولها إن زيارة البيت باتت تحتاج إلى إذن من ميليشيا الدعم السريع. بعد عام من الاجتياح، لا يملك السكان حرية العودة، ولا يعرف كثيرون أين أقاربهم، ولا تجد الأسر الناجية ما يكفي للبقاء.

 

هذه هي النتيجة الإنسانية لشبكات السلاح والنفوذ: نساء يخشين الرجوع إلى بيوتهن، وأطفال يحملون آثار العنف، ومسنّون ينامون تحت الأشجار، وأطباء يشاهدون مرضى يموتون لعجزهم عن توفير العلاج. ومحاسبة ميليشيا الدعم السريع يجب أن تمتد إلى الجهات التي موّلت وسلّحت وسهّلت استمرار عملياتها، بما فيها الشبكات المرتبطة بالإمارات. فالناجون لا يحتاجون إلى اعتراف جديد بفداحة الجريمة بقدر ما يحتاجون إلى وقف الوسائل التي تسمح بتكرارها.