كيف يمكن لدولة تتباهى بالقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان أن تجد نفسها متورطة في أخطر مسارات السلاح المتجهة نحو جرائم تُصنَّف كإبادة جماعية؟ هذا هو السؤال الذي يلاحق أستراليا اليوم، بعد أن ظهر أن الشركات الأسترالية تبيع أسلحة بمئات الملايين من الدولارات داخل معرض السلاح في دبي، داخل صالة مترفة يستعرض فيها ضابط متقاعد “مصداقيته العسكرية” لجذب الوفود، بينما الحقيقة الثقيلة تدور حول وجهة تلك الأسلحة التي تغادر الموانئ الأسترالية باتجاه الإمارات، السوق الأكبر بلا منافس للصناعات العسكرية الأسترالية.
الأرقام وحدها تفضح المشهد؛ نحو ثلاثمئة مليون دولار من الأسلحة والذخائر انتقلت من أستراليا إلى الإمارات خلال خمس سنوات، من دون أي شفافية حول الأنواع أو الكميات، بالتزامن مع تقارير أممية تتحدث عن تدفق سلاح إماراتي إلى ميليشيا الدعم السريع، القوة المتهمة بذبح المدنيين، واغتصاب النساء، وتنفيذ عمليات تطهير واسعة داخل دارفور، خصوصًا بعد سيطرتها على مدينة الفاشر وتحوّل الأرض إلى بقع داكنة من الدم التقطتها الأقمار الصناعية رغم التعتيم الإعلامي.
الأرقام الأممية تشير إلى أن أستراليا تُعتبر رابع أكبر مورّد سلاح للإمارات خلال الخمس سنوات الماضية. وفي نفس الفترة، تتراكم الأدلة التي تؤكد أن الإمارات تقوم بنقل هذا السلاح إلى قوات الدعم السريع في السودان، مقابل الذهب السوداني الذي يتم تهريبه بشكل ضخم خارج البلاد، وحسب التقارير فإن حوالي ٩٠٪ من ذهب السودان – بقيمة تتجاوز ١٣.٤ مليار دولار – يُهرَّب بشكل غير قانوني، وأغلبه ينتهي في الإمارات.

صحيفة الغارديان
ويضيف تقرير خبراء الأمم المتحدة أن هناك حركة مكثفة لطائرات شحن تغادر الإمارات محمّلة بالأسلحة والذخائر المتطورة. والمعدات وتنقلها إلى قوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا.
تزايدت الضغوط داخل أستراليا نفسها، إذ بدأت أصوات برلمانية وحقوقية ودينية تطالب بوقف فوري لصادرات السلاح إلى الإمارات، لأن الأدلة لم تعد تحتمل المجادلة. المنظمات الحقوقية حذّرت من أن استمرار التصدير يجعل أستراليا جزءًا من سلسلة دم ممتدة من سيدني إلى دارفور، وأشارت إلى أن غياب المعلومات حول طبيعة السلاح المُصدَّر يزيد من خطورة الوضع، إذ لا أحد يعرف ما إذا كانت هذه الصفقات تشمل ذخائر، أو أسلحة هجومية، أو معدات متقدمة تساعد قوات الدعم السريع على تنفيذ هجماتها. في المقابل، يُظهر السجل الأممي أن الإمارات أصبحت خلال السنوات الخمس الماضية رابع أكبر مستورد للسلاح الأسترالي عالميًا، وهو رقم لا يمكن فصله عن الدور الذي تلعبه أبو ظبي في النزاعات الممتدة داخل المنطقة.
هذا الارتباط بين السلاح والذهب يعكس شبكة مصالح معقدة، لا يمكن فصلها عن عشرات الرحلات الجوية التي وثّقها خبراء الأمم المتحدة، رحلات قالت أبو ظبي إنها “إنسانية” تحمل مستلزمات لمستشفى ميداني ونسخًا من القرآن، لكن سجلات أسلحة بريطانية وبلغارية وقطعًا من أنظمة استهداف ومحرّكات ناقلات جنود ظهرت على أرض المعركة في السودان، وكلها مرتبطة بقنوات تسليح إماراتية استخدمت شحنات حصلت عليها من دول متعددة، بعضها اعترض علنًا على إعادة التصدير من دون إذن.
أستراليا تبدو اليوم داخل دوامة أخلاقية وسياسية لأن دورها لم يعد يقتصر على بيع أسلحة لدولة أخرى؛ بل تحولت إلى جزء من مسارٍ عالمي يؤجج حربًا دموية أصبحت تُوصف بأنها أسوأ كارثة إنسانية معاصرة. أصوات داخل البرلمان الأسترالي، إلى جانب مؤسسات دينية وحقوقية، تطالب بوقف فوري لصادرات السلاح، مستندة إلى التقارير الأممية التي تربط الإمارات بشحن السلاح للميليشيا السودانية المتهمة بالإبادة. والأدهى من ذلك أن قواعد بيانات الأمم المتحدة تكشف أن الإمارات تُعد رابع أكبر مشترٍ للسلاح الأسترالي، ما يجعل احتمالية انتقال تلك الأسلحة إلى مناطق النزاع شبه مؤكدة بحكم طبيعة دور أبو ظبي في السودان، وليبيا، واليمن سابقًا، حيث وُجهت لها اتهامات بارتكاب انتهاكات وحشية وخرق حظر السلاح الدولي.
هذه الحقائق تجعل تورط أستراليا في هذا الملف يتجاوز مجرد تجارة مربحة أو علاقات دفاعية، لتتحول إلى اختبار حقيقي لأسس سياستها الخارجية ولموقعها الأخلاقي في عالم يتابع تحرك السلاح ويراقب أثره على المدنيين الذين يُسحقون تحت نير الصفقات والتواطؤ. الأسئلة التي تُطرح اليوم في كانبيرا ليست أسئلة تقنية حول تراخيص التصدير، بل أسئلة وجودية حول مسؤولية دولة غربية تجاه حرب تُرتكب بحق شعب يتعرض للتجويع والقتل والتهجير على يد قوة مسلحة تُتهم دوليًا بالإبادة. والسؤال الأكبر: كم من الأرواح السودانية دُفعت ثمنًا لأسلحة مرّت عبر بوابات المعارض المكيّفة في دبي، وتحت لافتات الشركات الأسترالية التي تبحث عن أسواق جديدة؟