في تطور خطير يعمّق الاتهامات الدولية الموجهة للاحتلال الإسرائيلي، كشفت معلومات استخبارية جمعتها الولايات المتحدة العام الماضي عن نقاشات داخل مؤسسات الأمن والجيش في تل أبيب تتعلق باستخدام مدنيين فلسطينيين دروعا بشرية في غزة، بما في ذلك إجبارهم على دخول أنفاق يعتقد أنها مفخخة. 

هذا الكشف، الذي أبلغت به مصادر أمنية وكالة “رويترز”، يضيف طبقة جديدة من الأدلة على سلسلة الانتهاكات الواسعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، ويطرح أسئلة مريرة حول دور واشنطن في تغطية أو تجاهل تلك الممارسات.

استخبارات أميركية توثق “مناقشات صادمة” داخل الجيش الإسرائيلي

وفقًا للمصادر التي تحدثت بشرط عدم الكشف عن أسمائها، فقد جمعت الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2024 معلومات استخبارية دقيقة تُظهر أن مسؤولين إسرائيليين ناقشوا، على مستوى القيادة، قيام جنودهم بإرسال فلسطينيين إلى أنفاق يُعتقد أنها ملغّمة، بهدف تفجير المتفجرات عن بُعد أو اختبار الطريق قبل دخول القوات الإسرائيلية.
تلك المعلومة وحدها تكشف مستوى الانحدار الأخلاقي الذي وصلت إليه العمليات العسكرية الإسرائيلية، خاصة أن استخدامها للمدنيين في مهام قتالية يُعد جريمة حرب واضحة وفق القانون الدولي.

المصادر أكدت أن هذه المعطيات تم تحليلها ومشاركتها مع البيت الأبيض خلال الأسابيع الأخيرة من إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، ما يعني أن واشنطن كانت على معرفة مسبقة بهذه السلوكيات، لكنها لم تعلنها للرأي العام ولم توقف الدعم العسكري أو الاستخباراتي لتل أبيب.

قلق داخل الإدارة الأميركية… وقلق أكبر مما لم يُعلن

أثارت هذه المعلومات، بحسب مصادر “رويترز”، مخاوف داخل دوائر الإدارة الأميركية حول مدى انتشار هذه الممارسات، وهل كانت مبادرات فردية من جنود ميدانيين أم سياسة ممنهجة تمت بتوجيه رسمي.
لكن الأخطر أن النقاش داخل الإدارة لم يتجه نحو إدانة الاحتلال أو الضغط عليه لوقف هذه الانتهاكات، بل تركّز على كيفية تقييم تأثيرها على العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل.

في الوقت نفسه، أشارت المعلومات الاستخبارية التي جُمعت إلى أن بعض المحامين داخل إسرائيل حذروا من إمكانية استخدام الوثائق والنقاشات الداخلية كأدلة ضد الجيش في المحاكم الدولية، ما يعني أن هناك إدراكًا إسرائيليًا مسبقًا بأن هذه السلوكيات ترقى إلى جرائم حرب.

رد إسرائيلي مرتبك وتناقض بين التصريحات والميدان

ورفضت الحكومة الإسرائيلية التعليق على ما إذا كانت قد ناقشت هذه الملفات مع الجانب الأميركي، في موقف يعكس مأزقها الدبلوماسي والقانوني أمام توالي التقارير الدولية.
أما وزارة الدفاع الإسرائيلية فأصدرت بيانًا تقليديًا قالت فيه إنها “تحظر استخدام المدنيين دروعًا بشرية”، مشيرة إلى أن الشرطة العسكرية تحقق في شبهات حول تورّط فلسطينيين في عمليات عسكرية، وهو التصريح الذي اعتبره مراقبون محاولة للتخفيف من وقع التسريبات الأميركية، دون تقديم أي نفي واضح للمعلومات.

هذا الخطاب الإنشائي يفتقد للمصداقية، خاصة في ظل الكم الكبير من الشهادات المصورة، وتوثيقات المنظمات الحقوقية، وتقارير الجزيرة التي عرضت مشاهد واضحة لاستخدام نساء وأطفال ومسنين فلسطينيين كدروع بشرية لدعم تقدم القوات الإسرائيلية داخل أحياء غزة.

تحقيقات أميركية داخلية… لتبرئة إسرائيل لا لإدانتها

الصدمة الأكبر جاءت من داخل المؤسسات الأميركية نفسها؛ إذ خلص فريق من المحامين في الوكالات الحكومية خلال الأسابيع الأخيرة من إدارة بايدن إلى أن الأدلة المتاحة “لا تثبت ارتكاب إسرائيل جرائم حرب بشكل ممنهج”، وبالتالي لا مانع من استمرار دعم واشنطن العسكري والاستخباراتي لتل أبيب.

هذا الموقف يثير تساؤلات أخلاقية وسياسية:
هل المشكلة في ضعف الأدلة… أم في خوف واشنطن من تحميل حليفها الأكبر في الشرق الأوسط مسؤولية قانونية قد تفتح الباب لملاحقات دولية؟
ولماذا تُعامل واشنطن الجرائم الإسرائيلية بمنطق مختلف عن أي دولة أخرى؟

الإجابة – وفق مراقبين – تكمن في مركزية إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية، وهو ما يجعل واشنطن تتغاضى عن الانتهاكات مهما بلغت خطورتها، بل وتبحث عن صيغ قانونية لتقليل آثارها.

سوابق موثقة… والانتهاكات ليست جديدة

قبل هذه التسريبات الأميركية، كانت تقارير الجزيرة ومنظمات حقوقية دولية قد وثقت استخدام الاحتلال لمدنيين كدروع بشرية، بما في ذلك إجبار نساء على السير أمام الجنود، أو استخدام أطفال للبحث داخل المنازل، أو اعتقال شبان وإجبارهم على تنفيذ أعمال خطرة داخل مناطق قتالية.

كما استندت هذه التحقيقات إلى شهادات ناجين وصور التقطها جنود إسرائيليون بأنفسهم، نُشرت لاحقًا على منصات التواصل، ما جعل محاولات الإنكار الإسرائيلي غير قابلة للتصديق.

الخلاصة: جريمة تُكشف… لكنها لا تُحاسب

تكشف المعلومات التي جمعتها الاستخبارات الأميركية عن حقيقة مرعبة:
الاحتلال الإسرائيلي لا يتردد في استخدام الفلسطينيين كوسيلة لحماية جنوده، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، بينما الولايات المتحدة – التي تمتلك الأدلة – تختار عدم مواجهة هذا السلوك، بل تدير النقاش داخليًا لحماية التحالف العسكري والسياسي مع تل أبيب.

وهكذا، تُضاف جريمة جديدة إلى سجل طويل من الانتهاكات، لتؤكد مرة أخرى أن الفلسطينيين لا يواجهون جيشًا فقط، بل منظومة كاملة من الصمت الدولي، والتواطؤ السياسي، والتغطية القانونية…
وأن العدالة، في ظل ميزان القوى الحالي، ما زالت أبعد من متناول الضحايا.

اقرأ أيضًا : مدير المعهد الدانماركي لمناهضة التعذيب: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين انتهاك صارخ للقانون الدولي