كشف مدير الصحة في المعهد الدانماركي لمناهضة التعذيب، الدكتور جينس مودفيغ، في تصريحاتٍ خاصةٍ لشبكة الجزيرة، عن واقعٍ مأساوي يعيشه الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، مؤكداً أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس منذ سنواتٍ طويلة أنماطًا متعددة من التعذيب والإهمال الطبي والعنف الممنهج ضد المعتقلين، إلا أن مستوى الانتهاكات بلغ ذروته بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأضاف أن أوضاع الفلسطينيين تدهورت إلى حد غير مسبوق، حيث تراجعت الحقوق الأساسية للمعتقلين، وتزايدت الانتهاكات بحقهم في السجون ومراكز الاحتجاز، وصولاً إلى التشريعات الإسرائيلية الجديدة التي تمهّد لإعدام الأسرى الفلسطينيين.

واقع مرير خلف القضبان

وفقاً لتقارير المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية، يقبع نحو 9100 أسير وأسيرة في 23 سجناً ومركز توقيف وتحقيق إسرائيلي، بينما اعتُقل أكثر من 11 ألفاً و300 فلسطيني في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب الأخيرة، إضافة إلى آلاف المعتقلين من قطاع غزة.

ويعاني الأسرى من اكتظاظٍ خانقٍ داخل الزنازين، حيث أصيب نحو 80% منهم بأمراض جلدية نتيجة انعدام النظافة، والرطوبة العالية، والحرمان من التهوية والرعاية الصحية.

وذكر مودفيغ أن المعتقلين الفلسطينيين يُجبرون على البقاء 24 ساعة متواصلة دون طعامٍ أو شراب، ويُعرضون للضرب المبرح والإهانات الجسدية والنفسية المتكررة، في انتهاكٍ فاضحٍ لجميع المواثيق الدولية التي تحمي السجناء والمحتجزين.

وأشار إلى أن ما يجري اليوم لا يقتصر على سوء المعاملة، بل يشكل نظاماً كاملاً من التعذيب الممنهج، هدفه كسر إرادة الأسرى الفلسطينيين وتجريدهم من إنسانيتهم.

تعذيب وإهمال طبي ومساءلة دولية

في تصريحاته خلال مشاركته في برنامج “نافذة إنسانية من غزة”، تحدث مودفيغ عن جلسات اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب التي تُعقد اليوم وغداً في جنيف، حيث يجري حوار مباشر مع الحكومة الإسرائيلية لتقييم مدى التزامها باتفاقية مناهضة التعذيب.

وأوضح أن اللجنة وجهت أسئلة حاسمة حول التعذيب وسوء المعاملة وغياب الضمانات القانونية في أماكن الاحتجاز، سواء في السجون المدنية أو المعتقلات العسكرية. كما لفت إلى أن الاعتقال الإداري -الذي يتيح للاحتلال حبس الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة- يشكل أحد أبرز أشكال الانتهاك الممنهج للقانون الدولي.

وأضاف أن التحقيقات الدولية رصدت استخدام الصدمات الكهربائية، العزل الانفرادي المطوّل، الإهانات الجنسية، والإهمال الطبي المتعمد، مشيراً إلى أن جميع هذه الأساليب تُعدّ انتهاكاً صريحاً للاتفاقية الأممية التي تحظر التعذيب تحت أي ظرف.

وأكد مودفيغ أنه “لا يوجد مبرر أو عذر يمكن أن يبرر التعذيب أو المعاملة القاسية، حتى في ظل ما تدّعيه إسرائيل من دوافع أمنية”، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك الجاد لمساءلة سلطات الاحتلال على هذه الجرائم.

مشروع قانون الإعدام.. شرعنة للقتل

وفيما تتواصل حملات القمع داخل السجون، أقرّ الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى مشروع قانون يتيح تنفيذ الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين الذين تتهمهم إسرائيل بقتل أو التسبب بمقتل إسرائيليين “بدوافع قومية أو كراهية”.

وينص المشروع على أن “من يتسبب في وفاة إسرائيلي عن قصد أو بسبب اللامبالاة، بدافع الكراهية أو بغرض الإضرار بدولة إسرائيل، يُحكم عليه بالإعدام”، كما يحظر تخفيف العقوبة بعد صدور الحكم النهائي.

واعتبر مودفيغ هذا القانون “سابقة خطيرة وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني”، مؤكداً أن “الحق في الحياة مبدأ مطلق لا يجوز المساس به حتى في أوقات الحرب أو الطوارئ”.

وحذر من أن تطبيق القانون سيشكل “جرائم قتل قانونية تحت غطاء التشريع”، ما يستدعي موقفاً دولياً حازماً لوقف إسرائيل عند حدودها.

إجرام الاحتلال: من التعذيب إلى التصفية

يرى خبراء حقوق الإنسان أن هذا القانون الجديد ليس إلا امتداداً لنهج الاحتلال القائم على سياسة القتل البطيء للأسرى من خلال التعذيب والإهمال الطبي والتجويع والعزل.

فمنذ بداية الحرب على غزة، وثّقت منظمات فلسطينية ودولية عشرات حالات الوفاة داخل السجون الإسرائيلية، بعضها نتيجة التعذيب المباشر، وبعضها بسبب الحرمان من العلاج.

كما تشير شهادات مفرجٍ عنهم إلى أن قوات الاحتلال تستخدم الاعتقال كأداة انتقام جماعي، حيث تُنقل المعتقلات إلى ثكنات عسكرية تُمارس فيها أبشع صنوف التعذيب، في غيابٍ تام لأي رقابة أو مساءلة.

ويؤكد مراقبون أن الهدف من قانون الإعدام الجديد هو ترهيب المجتمع الفلسطيني بأكمله، وتحويل السجون إلى “مقابر قانونية” تُشرعن القتل باسم القضاء، في وقتٍ يتواطأ فيه المجتمع الدولي بالصمت أو الاكتفاء بالبيانات الرمزية.

خاتمة: العدالة الغائبة

في ختام حديثه، شدد الدكتور مودفيغ على أن استمرار إسرائيل في هذه الممارسات يُعدّ انتهاكاً ممنهجاً لكل المواثيق الدولية، من اتفاقيات جنيف إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مشيراً إلى أن العالم أمام اختبارٍ أخلاقيٍّ حقيقي: فإما أن تُحاسَب إسرائيل على جرائمها، أو تُدفن العدالة نهائياً في أقبية سجونها.

وأكد أن إعدام الأسرى الفلسطينيين سيكون جريمة مكتملة الأركان بحق الإنسانية، وأن التزام المجتمع الدولي بالصمت هو مشاركة ضمنية في هذا الإجرام المستمر.

في المقابل، تتعالى الأصوات الحقوقية من داخل أوروبا والعالم العربي مطالبةً بإرسال بعثات أممية لتفقد السجون الإسرائيلية، وإحالة ملف التعذيب إلى المحكمة الجنائية الدولية، باعتباره جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

وهكذا، بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي جرائمه داخل الزنازين، تبقى العدالة مؤجلة، والسجناء الفلسطينيون ضحايا لاحتلالٍ لا يعرف سوى لغة القمع والتعذيب والموت البطيء.

اقرأ أيضًا : رسائل الغنوشي من خلف القضبان.. صرخة في وجه قمع قيس سعيد وتآكل الحرية في تونس