في خطوة وصفت بأنها الأبرز منذ سقوط مدينة الفاشر في يد قوات الدعم السريع، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الجمعة، قرارًا يقضي بتشكيل بعثة تقصّي حقائق مستقلة للتحقيق في القتل الجماعي والانتهاكات المروعة التي ارتُكبت في المدينة الواقعة شمال دارفور. القرار مرّ دون تصويت، في إشارة واضحة إلى حجم الإجماع الدولي حول خطورة الوضع في السودان، وإلى القلق المتزايد من اتساع رقعة الجرائم إلى مناطق أخرى وعلى رأسها كردفان.
ورغم حساسية التوقيت، ورغم الاتهامات الدولية المتزايدة بوجود رعاة إقليميين يغذّون الحرب، فإن القرار الأممي ـ وفقاً لنصه ـ امتنع عن تناول دور الأطراف الخارجية في النزاع، وهو ما فجّر انتقادات واسعة من الجانب السوداني الذي اتهم المجلس بمقاربة “ناقصة” لا تلامس جوهر الأزمة.

مهمة أممية لحفظ الأدلة وملاحقة الجناة
السفيرة البريطانية لدى الأمم المتحدة في جنيف أكدت أن بعثة تقصّي الحقائق ستتولى “توثيق الأدلة وحفظها” بما يضع الأساس لمحاسبة مستقبلية، وسط مخاوف من محاولات طمس الأدلة في المناطق التي شهدت عمليات إعدام ميداني، ودفنًا جماعيًا، وجرائم عنف جنسي استخدمت ـ بحسب التقرير الأممي ـ كسلاح لإخضاع المدنيين.
وفي كلمة افتتاحية حادة، دعا المفوّض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك المجتمع الدولي إلى التحرك، قائلاً:
“هناك الكثير من التظاهر، والقليل من الفعل… يجب الوقوف أمام هذه الفظائع ـ إنها قسوة عارية تُستخدم لإخضاع شعب كامل.”
تورك حذّر أيضًا من أن العنف يتمدد نحو كردفان، التي تشكل منطقة عازلة بين دارفور التي تهيمن عليها قوات الدعم السريع، والولايات الشرقية الخاضعة للجيش السوداني. شهدت كردفان خلال الأسابيع الأخيرة قصفًا عشوائيًا، وحصارًا لمدن وقرى، وعمليات نزوح قسرية تزيد من تعقيد المشهد الإنساني.
انهيار الفاشر.. نقطة تحوّل دامية
سقوط الفاشر في 26 أكتوبر شكّل منعطفًا خطيرًا في الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف. السيطرة الكاملة لقوات الدعم السريع على دارفور ـ وفقاً لباحثين أمميين ـ فتحت الباب أمام موجة جديدة من العنف الإثني، خاصة بعد تقارير عن قتل جماعي منهجي واعتداءات تستهدف مجموعات بعينها.
بعثة تقصّي الحقائق عرضت شهادات صادمة، إذ أكدت عضوتها منى رشماوي أن قوات الدعم السريع “حوّلت جامعة الفاشر إلى ساحة قتل”، بعدما كان آلاف المدنيين قد احتموا بمبانيها. وأوضحت أن شهوداً تحدثوا عن جثث مكدّسة في الشوارع وعن خنادق حفرت داخل المدينة وحولها لدفن الضحايا.
القرار الأممي يتهرب من ذكر الأطراف الخارجية.. والخرطوم تتهم الإمارات مباشرة
النص النهائي للقرار أدان أعمال القتل ذات الدوافع العِرقية، وجرائم الاغتصاب، لكنه لم يخول البعثة التحقيق في دور الفاعلين الخارجيين الذين يزودون قوات الدعم السريع بالسلاح والمال.
هذا التجاهل أثار غضب الوفد السوداني، حيث قال ممثل السودان في جنيف السفير حسن حامد حسن إن بلاده تخوض “حربًا وجودية” بينما المجتمع الدولي يتفرج، مضيفًا:
“حذرنا مرارًا داخل الأمم المتحدة من ضرورة الضغط على الميليشيا المتمردة، وعلى الدولة التي ترعاها عسكريًا… وأقصد الإمارات.”
اتهامات السودان للإمارات ليست جديدة، فقد أكدتها تقارير أممية وشهادات لمسؤولين أميركيين، تقول إن أبوظبي تورطت في تزويد الدعم السريع بالأسلحة عبر مسارات متعددة، بعضها يمر عبر تشاد وأفريقيا الوسطى. وقد اعتبر نواب في الكونغرس الأميركي تلك الاتهامات “ذات مصداقية عالية”.
الإمارات تنفي.. لكن الأدلة تتراكم
على الجانب الآخر، حاول السفير الإماراتي في جنيف جمال المشرخ إبعاد الاتهامات، قائلاً إن بلاده “لا تقدم أي نوع من الدعم لأي طرف في الحرب”. إلا أن النفي الإماراتي يتناقض مع تقارير أممية تشير إلى حركة طائرات شحن مرتبطة بأبوظبي، وصور أقمار صناعية توثق نشاطًا لوجستيًا غير اعتيادي في المنطقة.
كما أن مسؤولين غربيين ـ بحسب وسائل إعلام أميركية ـ أكدوا أن الدعم السريع استخدم معدات قتالية مصدرها شبكات توريد مرتبطة بالإمارات، ما جعل أبوظبي في قلب الاتهامات بكونها الراعي الإقليمي الأقوى للميليشيا التي ارتكبت بعضًا من أفظع الجرائم في العقد الأخير.
تحذيرات دولية من انفجار إقليمي
المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والنرويج وغانا عبّرت عن دعمها القوي للقرار، محذّرة من أن استمرار العنف وتهجير المدنيين في دارفور وكردفان قد يقود إلى زعزعة استقرار المنطقة الممتدة من الساحل إلى البحر الأحمر.
وحذر دبلوماسيون من أن آلاف المدنيين ما زالوا محاصرين داخل الفاشر، فيما يواجه آخرون مجاعة مؤكدة، وسط منع المساعدات الإنسانية واستمرار القصف العشوائي واعتداءات الطائرات المسيّرة.
جرائم ممنهجة.. ونداء عاجل لوقف الحرب
نساء هاربات من الفاشر وصفن مشاهد قتل في الشوارع، واغتصابًا جماعيًا، وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت المدنيين بشكل متعمد. هذه الشهادات ـ ومعها صور الأقمار الصناعية والتسجيلات المصوّرة ـ قد تشكل أساسًا لإدانة مستقبلية في المحكمة الجنائية الدولية، بحسب خبراء قانونيين.
ومع مرور القرار الأممي، تبدو المعركة اليوم بين جهود إثبات الحقائق وشبكات إقليمية تحاول طمسها. وبينما تتقدم قوات الدعم السريع في الميدان، يبقى السؤال: هل تدفع الخطوة الأممية نحو محاسبة الميليشيات ومن يقف خلفها، أم يصبح القرار مجرد وثيقة جديدة تُضاف إلى سجل العجز الدولي أمام المآسي السودانية؟
اقرأ أيضًا : شهيد ومصاب في حملات دهم وحصار إسرائيلي بالضفة.. جرائم تتصاعد بلا سقف