بقلم: أحمد محمد أحمد
في الوقت الذي تواصل فيه حكومة عبد الفتاح السيسي بيع الأراضي والعقارات العامة والمواقع الاستراتيجية للمستثمرين الخليجيين، تزداد أزمة الدين الخارجي المصري اشتعالًا، لتبتلع أي حصيلة دولارية تدخل البلاد.
ورغم إعلانات متكررة عن “صفقات إنقاذ” و”استثمارات ضخمة”، فإن الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري تكشف واقعًا مغايرًا: تصاعد غير مسبوق في خدمة الدين وعجز متفاقم في الموازنة، يعيد مصر إلى مربع الأزمة.
أرقام فادحة.. وديون تتضاعف
أحدث بيانات البنك المركزي أظهرت أن الدين الخارجي لمصر بلغ 161.2 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بزيادة تجاوزت 300% مقارنة ببداية حكم السيسي. كما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 44.5%، ما يعكس عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد. ووفق التقرير ذاته، زادت تقديرات خدمة الدين الخارجي لعام 2026 إلى 29.18 مليار دولار، منها أكثر من 23 مليارًا أقساطًا مستحقة و5.4 مليارات فوائد، وهو ما يعني أن مصر مطالبة بسداد نحو 2.4 مليار دولار شهريًا فقط لخدمة ديونها الخارجية.
الأرقام تكشف أن البلاد دفعت 30.1 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2024/2025، معظمها أقساط وفوائد، في وقت تراجع فيه تدفق العملة الصعبة من السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، ما يجعل القروض الجديدة هي السبيل الوحيد لتسديد القديمة — أي دوامة “الاقتراض لتسديد الاقتراض”.
فوائد تلتهم الموازنة
وزارة المالية المصرية أكدت في تقريرها الأخير (نوفمبر 2025) أن فوائد الديون تجاوزت كل إيرادات الموازنة خلال الربع الأول من السنة المالية الجديدة، إذ بلغت 695 مليار جنيه مقابل إيرادات أقل من ذلك بـ50 مليارًا. ورغم ارتفاع حصيلة الضرائب بنسبة 37%، فإنها لم تكفِ لتغطية خدمة الدين، ما أدى إلى اتساع العجز إلى 2.5% من الناتج المحلي.
واعترف وزير المالية أحمد كجوك بأن العجز الكلي قفز إلى 1.26 تريليون جنيه خلال العام المالي الماضي بفعل تضخم الفوائد، بينما تتوقع مؤسسات دولية — مثل صندوق النقد الدولي — أن تصل ديون مصر إلى 202 مليار دولار بحلول 2030، وهو ما يعني أن مصر ماضية في طريق لا عودة منه إذا استمر النهج ذاته.
بيع الأراضي.. بلا جدوى
ورغم هذه الأرقام الكارثية، تمضي الحكومة في سياسة “البيع مقابل السيولة”. فخلال الأشهر الماضية عقدت القاهرة عدة صفقات ضخمة، أبرزها صفقة “الديار القطرية” في الساحل الشمالي بقيمة 29.7 مليار دولار، تحصل مصر منها مبدئيًا على 3.5 مليارات دولار فقط. كما أبرمت صفقات أخرى مع تحالفات سعودية وإماراتية لشراء أراضٍ في البحر الأحمر ومدينة نصر، وبيعت حصص في 19 شركة حكومية منذ 2022 مقابل نحو 5.9 مليارات دولار.
لكن هذه الصفقات لم تُترجم إلى تحسن اقتصادي حقيقي. فالعوائد تذهب مباشرة إلى سداد الديون وليس إلى إنتاج أو تصدير أو تشغيل، ما يجعلها مجرد مسكّن مؤقت يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر بمجرد استنفاد الأموال. والأسوأ أن بيع الأراضي يقتطع من الأصول الوطنية ويقلص السيادة الاقتصادية، لتتحول مصر تدريجيًا إلى دولة تبيع ممتلكاتها لسداد فواتير ديونها.
الخبير أحمد البهائي: الاقتصاد في “حالة إدمان اقتراض”
الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد البهائي أوضح لـ”عربي21″ أن تفاقم أزمة الديون رغم بيع الأراضي “نتاج مباشر لاختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد”. وأشار إلى أن اعتماد الحكومة على القروض الخارجية لسد الفجوة التمويلية ونقص العملة الصعبة جعل خدمة الدين تلتهم الناتج المحلي، فيما تُستخدم القروض الجديدة لتغطية الفوائد السابقة بدلًا من تمويل مشاريع إنتاجية.
وأضاف: “الحكومة المصرية لم تعد تمارس الاقتراض كوسيلة تنموية بل كعادة مزمنة. تحولت من الإفراط إلى الإدمان، وسط سوء تخطيط وفساد في توزيع القروض على مشروعات غير منتجة”. وبيّن أن ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي وتجاوزها الحدود الآمنة يهدد بانهيار الثقة في الاقتصاد المصري، خصوصًا بعد أن تراجع التصنيف الائتماني للبلاد إلى منطقة الخطر (الدرجة 15) التي تعتبر “غير استثمارية”.
مصر في مرمى الخطر الاقتصادي
التقارير الدولية تؤكد أن فوائد الدين تمثل 80% من الإيرادات العامة، وأن الصادرات لا تكفي لتغطية الواردات، إذ تجاوزت نسبة الدين إلى الصادرات 450%، وهو ما يصنفه الخبراء كـ”ديون متفاقمة”. وبذلك، لم تعد الدولة قادرة على تمويل وارداتها دون قروض جديدة، ما يخلق حلقة مفرغة من التضخم والعجز المتزايد.
كما أن اعتماد النظام على بيع الأراضي والعقارات كمصدر مؤقت للعملة الصعبة يعمق الخطر الاستراتيجي؛ فهذه الأصول غير قابلة للتجدد، وبيعها يقلل من قدرة الدولة على إنتاج الثروة مستقبلاً، ويحوّلها إلى اقتصاد ريعي هش يعتمد على القروض والتحويلات الخارجية.
منذ توليه السلطة، رفع عبد الفتاح السيسي شعار “الإصلاح الاقتصادي”، لكن الواقع أظهر أن هذه السياسات أغرقت البلاد في الديون بدلًا من إنقاذها. فبينما ارتفعت القروض إلى مستويات غير مسبوقة، تدهورت القدرة الشرائية للمواطنين، وانهارت الخدمات العامة، وتزايدت معدلات الفقر والبطالة.
يرى محللون أن بيع الأراضي ليس سوى محاولة يائسة لترقيع عجز الموازنة مؤقتًا، بينما تتجاهل الحكومة جوهر الأزمة: اقتصاد غير منتج، واعتماد مفرط على القروض، وتبديد للموارد في مشاريع استعراضية لا مردود لها.
ويخلص الخبراء إلى أن استمرار هذا النهج سيقود البلاد إلى “مربع الصفر”، حيث تفقد الدولة أدواتها المالية والسيادية، لتجد نفسها — كما قال الدكتور البهائي — “تقترض لسداد الديون، وتبيع أصولها لتسديد الأقساط، وتستيقظ على اقتصاد بلا أرض ولا إنتاج ولا سيادة”.
اقرأ أيضًا : مناوي يحذر من تقسيم السودان.. والجيش يتصدى لمسيرات مدعومة من بن زايد