في خطوة فاجأت الأوساط السياسية والحزبية في الأردن، أقدمت السلطات، يوم الاثنين، على اعتقال جميل أبو بكر، نائب الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي، وأحد أبرز رموز التيار الإسلامي في البلاد، دون توضيح الأسباب، ما أثار موجة من القلق والاستنكار لدى الشارع والنخب السياسية، وسط مخاوف من تصعيد غير مسبوق في ملف الحريات العامة.
جميل أبو بكر، الذي يرأس مجلس إدارة صحيفة “السبيل” المعروفة بقربها من التيار الإسلامي، اعتُقل أثناء توجهه لاجتماع في مقر الحزب، في مشهد وصفه مراقبون بأنه يعكس تحولاً في النهج الرسمي تجاه المعارضة المنظمة، خاصة ذات الطابع الإسلامي.
تكريس العقلية الأمنية؟
حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، وصف الاعتقال بأنه “تكريس للعقلية الأمنية”، و”إجراء غريب عن النهج الأردني المعتدل”، محذرًا من أن مثل هذه السياسات تضر بالنسيج الوطني في وقت يواجه فيه الأردن تحديات متزايدة، أبرزها تهديدات الاحتلال الإسرائيلي وتداعيات الحرب في غزة.
البيان الذي أصدره الحزب لم يكن مجرد رد فعل، بل كان إدانة سياسية موجهة إلى دوائر القرار، شدد فيها على أن الاعتقال يأتي في سياق أوسع من “التضييق على الشخصيات السياسية والحزبية الوطنية”، و”محاولة لتفريغ الساحة من الأصوات المستقلة والفاعلة”.
من التضييق السياسي إلى الاستهداف المنهجي
لا يمكن النظر إلى اعتقال أبو بكر بمعزل عن سلسلة من الإجراءات التصعيدية نفذتها السلطات الأردنية في الأشهر الأخيرة، بدءًا من الاعتقالات التي طالت شخصيات دعوية وسياسية محسوبة على التيار الإسلامي، مرورًا بقرارات قضائية بمصادرة أصول ومقرات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وصولًا إلى تصريحات رسمية تضع الجماعة في خانة “اللاشرعية” بحكم محكمة.
وربطت تقارير إعلامية تلك الاعتقالات بكشف خلايا مزعومة اتهمت بمحاولة تنفيذ هجمات على الاحتلال الإسرائيلي من داخل الأراضي الأردنية، وهو ما استُخدم لتبرير تشديد القبضة على الإسلاميين، في مشهد يعيد إلى الأذهان مراحل سابقة من “التحجيم المنهجي” لدور المعارضة المنظمة.
معضلة الداخل والخارج
التوقيت الذي جرى فيه الاعتقال لا يقل أهمية عن الحدث نفسه، إذ يأتي في ذروة عدوان إسرائيلي واسع على قطاع غزة، وفي ظل تنامي الغضب الشعبي الأردني ضد التطبيع والتراخي الرسمي إزاء الانتهاكات في القدس.
وفي هذا السياق، يبدو أن السلطات تخشى تحول الشارع الأردني إلى بيئة خصبة للاحتجاجات المنسقة، خاصة في ظل تعاطف واسع مع غزة، ودور تقليدي للتيار الإسلامي في تأطير هذا الغضب الشعبي، سواء عبر المسيرات أو الخطاب الإعلامي.
وفي مقابل ذلك، تسعى الحكومة إلى ضبط إيقاع الداخل الأردني بما يضمن استقرارًا أمنيًا صارمًا، حتى ولو كان الثمن توسيع المواجهة مع أكبر حزب معارض في البلاد.
قراءة في الخلفيات والدلالات:
- الاعتقال يؤشر إلى مرحلة جديدة من الصدام بين الدولة والإسلاميين، ربما تكون أشد من جميع المراحل السابقة.
- التضييق الأمني يأتي في ظل رغبة في ضبط الشارع قبل توسع التأييد الشعبي لغزة وتحوله إلى ضغط سياسي داخلي.
- الصمت الرسمي عن دوافع الاعتقال يزيد من الغموض، وقد يؤشر إلى “رسالة ردعية” موجهة لقيادات الحزب كافة.
- الربط الإعلامي بين الحزب وخلايا “معادية للدولة” يعكس تحولًا في الخطاب الأمني قد يُستثمر لاحقًا في إقصاء ممنهج.
القبضة الأمنية في الأردن تتجه نحو إغلاق الهامش السياسي المتبقي، لا سيما أمام الإسلاميين، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية. واعتقال جميل أبو بكر ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر على أزمة أعمق بين الدولة والمعارضة التقليدية، قد تتفاقم إذا استمرت السلطة في تجاهل الدعوات للإفراج عن المعتقلين السياسيين، واحترام الحريات التي يكفلها الدستور.
اقرأ أيضا: الاحتلال يذل أعوانه: قطع الغاز عن مصر والأردن يدفع القاهرة لتفعيل الطوارئ